المقدمة + من الآية 1 الى الآية 4
سورة المنافقون
مدنية وآياتها إحدى عشرة
في أجواء السورة
وهذه السورة من السور المدنية التي نزلت لتتحدث عن المنافقين كوجودٍ حركيٍّ مضادٍّ في داخل المجتمع الإسلامي. فقد كانوا يمثّلون الجماعة التي تكيد للإسلام في العمق، لأنها لا تؤمن به في صميم العقيدة، ولكنها تعلن إسلامها في الظاهر ليكون ذلك غطاءً لها في تحركاتها التي تريد من خلالها أن تنفذ إلى مواقع العصبية العائلية التي تحميها، وإلى مكامن العلاقات المتنوعة التي تحتضنها، لأن هناك فرقاً بين الكيد الذي يتحرك في عناوين الكفر وبين الكيد الذي يتحرك تحت عنوان الإسلام، فقد لا يسمح الإسلام للكافرين أن يتصرفوا ضد الإسلام بحريةٍ، لأن الحاجز الديني الداخلي يدفع إلى الرفض السريع بطريقةٍ لا شعوريةٍ، لأن الجوّ العام هو جو الصراع مع الكفر. أما الذين يعلنون الإسلام في الظاهر، فإنهم يملكون حق المسلم في حماية المجتمع له، ما يجعل من تصرفاته التي يقوم بها، أو الخلافات التي يثيرها، تصرفات فردية تدخل في نطاق المشاكل الداخلية الصغيرة بين المسلمين التي لا تترك أية خطورةٍ على الواقع الإسلامي العام.
وهذا ما نواجهه في الكثير من تجاربنا الاجتماعية أو السياسية في داخل الحركة الإسلامية العامة، في مواقفها الصلبة ضدّ الاستكبار العالمي المتصل بقواعد الكفر، فقد نجد الكثيرين ممن يحملون العنوان الإسلامي بطريقةٍ وبأخرى، يقفون وقفة النفاق التي تفتح أكثر من نافذةٍ على الاستكبار، لتنطلق من خلال خططه نحو الإضرار بالإسلام والمسلمين في مواقع الصراع الذي يخوضه ضد الكفر والاستكبار، في الوقت الذي ينطلقون في داخل المجتمع بعناوين إسلاميةٍ تمنحهم حرية الحركة، من خلال ما يملكونه من صفاتٍ رسميةٍ أو اجتماعيةٍ أو اقتصاديةٍ، مما يجعلهم فريسةً سهلةً لأجهزة المخابرات الدولية التي تحركهم كأدواتٍ تخريبية ضد سلامة الاتجاه الإسلامي السليم.
وقد جاءت هذه السورة لتتحدث عن بعض ملامحهم العامة، ليتعرف المسلمون إليهم من خلالها، سواء أكان النفاق نفاقاً عاماً يتصل بالخطط العامة للكافرين في ما هو الكفر والإسلام، أم كان النفاق نفاقاً خاصاً محدوداً ببعض الخطط السياسية المضادة في ما هو الإسلام والاستكبار، لأن المسألة في الأسلوب القرآني أن يفتح للإنسان النافذة الإسلامية الواسعة على الواقع في زواياه الخفية، من أجل أن يتعرف على الناس في الساحات العامة والخاصة، ليحترز من كيدهم ومكرهم في ما يمكن أن يحركوه من وسائل الكيد والمكر، ليكون الإنسان المسلم هو الإنسان الواعي الذي يعرف كيف يواجه المشاكل الصعبة بعقلٍ ذكيٍ مثير، يتغذى من النظرة واللمسة والملاحظة والقراءة، بما يحقق له الكثير من عناصر الحماية على جميع المستويات.
ولم تكن هذه السورة السورة الأولى والأخيرة التي تحدثت عن المنافقين، فهناك أكثر من سورةٍ تعرّضت لأوضاعهم العامة والخاصة، ولكن هذه السورة أخذت عنوان «المنافقون»، لأن بدايتها كانت تطرح الاسم بشكل صارخ بارزٍ، ما يجعل الحديث عنهم عنواناً لهذه الجماعة وللسورة.
ـــــــــــــــــ
الآيــات
{إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ* اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}(1ـ4).
* * *
معاني المفردات
{الْمُنَافِقُونَ}: المنافق اسم فاعل من النفاق وهو في عرف القرآن إظهار الإيمان وإبطان الكفر.
{أَيْمَانَهُمْ}: الأيمان جمع يمين بمعنى القسم.
{جُنَّةً}: والجنة الترس، والمراد بها ما يتقى به من باب الاستعارة.
{فَصَدُّواْ}: الصد يجيء بمعنى الإعراص.
{خُشُبٌ}: جمع خشبة.
{مُّسَنَّدَةٌ}: التسند نصب الشيء معتمداً على شيء آخر كحائط ونحوه.
{يُؤْفَكُونَ}: يصرفون عن الحق.
* * *
المنافقون في ادعاءاتهم الكاذبة وملامحهم العامة
هذه السورة تلفت النبي(ص) إلى الانتباه والاستعداد لمواجهة المنافقين الذين يخفون نواياهم الحقيقية وراء إعلانهم الظاهري للإسلام، وتطلب إليه مواجهتهم بالمنطق القرآني الذي يكشف زيف أساليبهم.
{إِذَا جَآءَكَ الْمُنافِقُونَ}، الذين يعيشون دائماً القلق الداخلي الذي يتحرك من خلال الازدواجية العملية المتمثلة في سلوكهم المتأرجح بين الكفر والإيمان، والذي يضعهم في دائرة الشك من قبل الآخرين، كون طبيعتهم الذاتية تفسح المجال لذلك، {قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} في ما توحي به كلمة الشهادة من تطابق القول مع العقيدة، ليؤكدوا للنبي وللمسلمين من حوله أنهم يؤمنون بالإسلام القائم على التوحيد ورسالة النبي (ص)، كما يؤمن المسلمون الآخرون، ويؤكدون إيمانهم بهذه الشهادة الصارخة، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} فليست رسالتك موضع الشك، فإن الله الذي أرسلك هو الذي يعلم هذه الحقيقة ويؤكدها، ولكن ذلك شيءٌ، ومسألة صدق هؤلاء المنافقين في شهادتهم شيءٌ آخر، {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} في دعواهم الشهادة لك بأنك رسول الله، لأن قيمة الشهادة بالكلمة أن تكون منفتحةً على الشهادة بالقلب، ولكن الله يعلم أن هؤلاء ينكرون رسالتك في إيمانهم العقلي والروحي، ما يجعل من إعلانهم لهذه الشهادة نوعاً من الخديعة والاستغفال والسعي إلى أن يأخذوا شرعية الإسلام لتغطية جرائمهم النفاقية.
{اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} ووقايةً يحتمون وراءها كلما شعروا بأن عيون المسلمين تحدق بهم تحديقة شكٍ وتساؤلٍ، وتثير الشبهات حولهم من خلال بعض الأعمال التي يقومون بها، أو الكلمات التي يتكلمون بها، فيطلقون الأيمان المغلظة ليطردوا شكوك الآخرين، وليؤكدوا الثقة بإسلامهم ولينالوا ثقة المجتمع الإسلامي بهم. واستمروا في هذا الاتجاه {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} بألاعيبهم الخفية وأضاليلهم المدسوسة، وضللوا الكثيرين من الأبرياء، وانحرفوا بهم عن الصراط السوي، بأسلوب العاطفة في صداقاتهم وقراباتهم، {إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} مما كانوا يسعون إليه لإزهاق الحق، وإقامة الباطل، وخلخلة المسيرة الإسلامية في ساحة الصراع.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ} في بدايات أمرهم، بشكلٍ ظاهريٍّ ساذجٍ قد ينفذ إلى العمق قليلاً، في ما قد يكون في داخلهم من بعض مواقع الصدق والخير، وقد لا يكون له عمق في الداخل، بل كان الإيمان إيمان المصلحة لا إيمان القلب. {ثُمَّ كَفَرُوا} فساروا في خط الكفر، والتزموا مفاهيمه، {فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} بحيث كان الكفر حالةً إراديةً عميقةً في العقل، رافضةً لكل روحٍ إيمانية في ما هو الفكر والشعور، فأغلقوا قلوبهم عن الله، فأغلقت عقولهم ومشاعرهم من خلال ذلك، {فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} في ما قد يخاطبهم الرسول أو الدعاة إلى الله بآيات الله، فلا يفهمون منها شيئاً، لأن الإنسان يفهم بعقله النَيِّر المنفتح على الفكر الحق، فإذا كان عقله مغلقاً، فكيف تنفذ الحقيقة إليه. وتلك هي مشكلة الكثيرين من المنافقين والكافرين، فهم لا يفقدون قابلية المعرفة بل يفقدون إرادتها التي هي سرّ حركتها في العقل والشعور.
{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} فهم يتحركون بأجسام منتفخة توحي بالعظمة وبالامتلاء وبالقوة، بحيث يشعر الناس أمامها بأن هؤلاء يمثلون الطبقة العالية من القوم.
{وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} لأنهم من الناس الذين يعطون الإيحاء بأنهم من عقلاء القوم وممن يتمتعون بالحكمة والتجربة، كما قد يكونون من الأشخاص الذين يستخدمون في منطقهم الكلمات المعسولة والأساليب الخادعة.
{كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} في جمود الروح وبرودة الحيوية، حتى كأن جلوسهم إلى الجدار في الشكل الجامد، كما لو كانوا خشباً مرمياً على الجدار من دون معنى ولا حركةٍ ولا حياةٍ ولا نفع، لأن قيمة الخشب في الانتفاع به أن يكون جزءاً من السقف أو من الباب أو الجدار، لا أن يكون خشباً مرمياً على الجدار، وقيل: إنه شبّههم بخشب نخرةٍ متآكلةٍ لا خير فيها، ويحسب من رآها أنها صحيحةٌ سليمةٌ من حيث إن ظاهرها يروق وباطنها لا يفيد، فكذلك المنافق ظاهره معجبٌ رائعٌ وباطنه عن الخير زائغ.
{يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} فهم يعيشون القلق الداخلي، والاهتزاز النفسي، انطلاقاً من الازدواجية بين موقفهم الظاهري وحقيقتهم الباطنية، ويبقى الهاجس الدائم لديهم أن يكشف المسلمون أمرهم على طريقة «كاد المريب أن يقول خذوني»، ما يجعلهم يتحسبون لكل حركةٍ تصدر من الآخرين كما لو كانت موجهةً ضدهم، ولكل صيحةٍ مثيرةٍ كأنها تثير الناس عليهم، خوفاً وجبناً. {هُمُ الْعَدُوُّ} الداخلي الذي ينفذ إلى الأمة ليثير المشاكل المتنوعة بين أفرادها، وليحرك الأحقاد التاريخية في داخل صفوفها، وليخطط الخطط العدوانية للتآمر على سلامتها، من خلال الشعارات البراقة التي يحركها انطلاقاً من النوازع الذاتية أو الجماعية المتحكِّمة في أوضاعها، فيبدو الأمر في النزاع والخلاف، كما لو كان شيئاً طبيعياً منطلقاً من الواقع الطبيعي في الحياة الاجتماعية العامة، ولهذا فلا بد من التعامل معهم على طريقة التعامل مع العدو، لأنهم إذا كانوا الأصدقاء في الظاهر، فهم الأعداء في الباطن.
{فَاحْذَرْهُمْ} في أسلوب العمل، في ما يمكن أن تحركه من أسرار قد ينقلونها إلى العدو، وفي ما تثيره من قضايا مصيرية قد يتدخلون فيها فيفسدونها من خلال علاقاتهم الخاصة والعامة بالمجتمع. {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} أي أخزاهم ولعنهم، وربما كان ذلك دعاءً عليهم بالهلاك، لأن من قاتله الله فهو مقتول، ومن غالبه فهو مغلوب.
{أَنَّى يُؤْفَكُونَ} ويصرفون عن الحق، ويبتعدون عنه، مع ظهور أمره في كثرة الدلالات عليه.
تفسير القرآن