من الآية 9 الى الآية 11
الآيــات
{يا أيّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ* وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ* وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (9ـ11).
* * *
معاني المفردات
{تُلْهِكُمْ}: الإلهاء، الإشغال.
* * *
النهي عن التلهّي بالأولاد والأموال
لما كان النفاق ينطلق في الغالب من الاستغراق في الأموال والأولاد وغيرهما من شؤون الحياة الدنيا، والبعد عن الله وعن التفكير في الوقوف غداً بين يديه، ما يدفع الإنسان إلى أن يبحث عن مصالحه وشهواته في الأجواء النفاقية، كانت هذه الآيات من أجل إيجاد جوٍّ نفسيٍّ ضاغطٍ على روحية الإنسان المؤمن، بحيث ينفتح على ذكر الله بقلبه، وعلى الموت في ما ينتظره بعده من مواقف ومخاوف، ليتوازن في موقفه، ويخلص في إيمانه، ويستعد لما بعد الموت.
{يا أيّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} بحيث تستغرقون فيها استغراق الإنسان الذي ينصرف بكل كيانه إليها، من دون أن يواجه عناصر المسؤولية في حياته، فينسى ربه، وينسى نفسه من خلال ذلك، بل ينبغي لكم أن تنفتحوا على الله بقلوبكم، فلا يغيب عنها طرفة عين في كل ما تأخذون به أو تدعونه من شؤون الحياة الدنيا، فإذا أخذتم بالشأن المالي، فإنكم تتصرفون فيه من موقع المسؤوليات المترتبة عليكم من الله في أمره، في ما يجب عليكم إنفاقه في مواردكم الخاصة والعامة، وإذا أخذتم بالشأن المتعلق بأولادكم، فإن عليكم أن تدرسوا المسألة وتتحركوا فيها على أساس أنهم أمانة الله عندكم، وزينة الحياة الدنيا في عواطفكم، فتتصرفون في شؤونهم من موقع المسؤولية التي تنفتح عليهم من خلال الله، ليكون الموقع الذي يمثل الخضوع لأوامر الله ونواهيه، بعيداً عما هو الجانب الذاتي الغارقٍ في العاطفة، وبذلك لا تكون الأموال والأولاد ملهاةً عن ذكر الله، بل منفتحة على مواقع المسؤولية أمامه.
{وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} لأن الالتهاء عن ذكر الله، يبعد الإنسان عن ربه، فيورطه في معصيته، ويشغله عن طاعته، فيترك الدنيا بعد ذلك من دون عمل، ويترك المال والأولاد فيها، ثم يقف بين يدي الله من دون أن يكون له أيُّ عملٍ يتقرب به إليه ويحصل به على رضوانه وعلى الدخول في جنته، بل يكون مصيره النار وبئس القرار.
* * *
الإنفاق مما رزق الله
{وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ} للمحرومين الذين جعل الله رزقهم في أيديكم، وحمّلكم مسؤولية الإنفاق عليهم من موقع الحق تارةً، ومن موقع الإحسان أخرى، وجعل لكم ثواب ذلك رضوانه، {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} فتفوته الفرصة الذهبية التي يستطيع أن يحصل بها على خير الدنيا والآخرة، فيلتفت إلى الزمن الضائع التفاتة حسرةٍ وخوفٍ، وتتحرك تمنياته غير الواقعية في وجدانه {فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} لتكون تلك هي الفرصة الأخيرة التي تمنحني إياها، لأنطلق إليك منها من خلال روحية العطاء وصلاح العمل، ليكون ذلك هو الوجه الذي ألقاك فيه.
{وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ} فتلك أمنيات الحمقى الذين يعيشون مع الأجواء المستحيلة المستقبلية، بعد أن يكونوا قد أضاعوا الواقع الذي كان مفتوحاً أمامهم بكل سعته وامتداده، فقد أراد الله للعمر الإنساني المحتوم أن يقف عند حدود الأجل من دون أن يمنح أي إنسانٍ فرصة لامتداده إلى أبعد من ذلك، {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} في طبيعة الظروف الضاغطة أو في الأجواء التي تفرض القيام بهذا العمل أو ذاك، أو في الاختيارات الذاتية التي تتحرك من خلال العقد النفسية أو الشهوات الغريزية أو المنافع المادية، فيعطي كل إنسانٍ جزاء عمله تبعاً لخلفيات العمل وظروفه، وبذلك لا بد للإنسان من دراسة حساباته بكل دقةٍ ومسؤولية.
تفسير القرآن