تفسير القرآن
الطلاق / المقدمة + من الآية 1 إلى الآية 3

 المقدمة + من الآية 1 الى الآية 3
 

سورة الطلاق
مدنية وهي اثنتا عشرة آية

في أجواء السورة

وهذه سورة مدنية يتلخص موضوعها الأساس في الحديث عن بعض تفصيلات مسائل الطلاق، مع إطلالةٍ روحيةٍ على الخطوط الإسلامية العامة، في الالتزام بحدود الله التي يمثل الابتعاد عنها ظلماً للنفس، وفي إقامة الشهادة لله كأمانةٍ إلهيةٍ يتحملها الشاهد، من خلال ما يمثله ذلك من محافظة على الحقيقة التي لا بد للناس جميعاً من أن يتعاونوا على جلائها، وفي حركة التقوى التي يفتح الله بها للإنسان كل مغالق الحياة في زواياها الضيقة المسدودة، بطريقةٍ غير عادية، وفي الثقة المطلقة بالله في كل ما يريده، وفي الانفتاح على الحقيقة الكونية الخاضعة لتدبير الله، وفي هندسة الواقع الحياتي للإنسان، في تقديرٍ منظم يضع لكل شيءٍ مقداراً معيناً لا يتجاوزه في حدوده المرسومة، وفي الجولة التاريخية في مواقع الأمم السالفة التي عتت عن أمر ربها، وفي النتائج السلبية التي واجهتها في الدنيا، وتواجهها غداً في الآخرة، ما يفرض على العاملين الذين لا يبتعدون عن منطق العقل في ما هو الحسن والقبح والخير والشر والضرر والنفع، أن ينطلقوا للإيمان بالله ورسوله والكتاب الذي أنزله على رسوله، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ليعيشوا في النور الروحي المعنوي الذي يشرق في عقولهم وفي قلوبهم، وفي حركة الواقع من حولهم، من خلال الوعي لعظمة الله الذي خلق سبع سماوات وسبع أرضين، وللحقيقة الروحية التي تخاطب كل أسرار الغيب في الحياة وفي الإنسان، بأن الله قد أحاط بكل شيءٍ علماً.

وقد نستوحي من هذا الجو الذي يتحرك فيه التشريع المتعلق ببعض الأحوال الشخصية للإنسان، أن الأسلوب القرآني لا يريد للتربية الشرعية أن تنطلق على أساس الحديث عن المفردات الشرعية بطريقةٍ جافةٍ مجردة، على طريقة العرض القانوني للمواد القانونية، بعيداً عن الجانب الوعظي الروحي، لأن الإسلام لا يريد عرض القانون الشرعي للحصول على المعرفة المجردة، أو للالتزام العملي الجامد، بل يريد تحريك الشريعة في أجواء الإيمان، بحيث يحس الإنسان في تصوره لها والتزامه بها بالحيوية الروحية التي تفتح قلبه على الله، وروحه على الاستغراق في مسؤوليته أمامه، وعقله على ضرورة التكامل مع كل الواقع الكوني في بلوغ المدى الذي يريد الله للحياة أن تبلغه في كل مفرداتها الوجودية، ما يجعل من حركته فيه عنصر تكاملٍ وانفتاحٍ وانضباطٍ واستقامةٍ على الخط المستقيم.

وعلى ضوء ذلك، فلا بد للعاملين في حقل التربية الإسلامية، وفي أجواء الوعظ والإرشاد، من أن يمنحوا الأسلوب التعليمي الحيوية الروحيةٍ التي لا تجعل من الالتزام الشرعي حالةً تقليديةً، بل تجعل منه حالةً إيمانيةً ينطلق فيها الالتزام من موقع الإيمان، حيث يزداد الإيمان به قوةً وحرارةً كما يزداد بالإيمان فاعليةً وتأثيراً في عناصر الحركة في داخل الشخصية الإسلامية.

وقد تحدثنا عن أسرار التشريع الإسلامي للطلاق، وكيف جعله بيد الرجل، وعن الحكمة في تشريع العدة، وذلك في ما تحدثنا به في سورة البقرة في تفسير الآية (228) فليراجع هناك.

وقد كانت تسمية السورة باسم الطلاق انطلاقاً من أنه الموضوع الرئيس فيها.

ــــــــــــــــــــ

الآيــات

{يا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً* فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شيْءٍ قَدْراً} (1ـ3).

* * *

معاني المفردات

{وَأَحْصُواْ}: الإحصاء: العدّ.

{الْعِدَّةَ}: الأيام التي بانقضائها يحلَّ لها التزوّج.

{بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}: أي بفاحشة ظاهرة، كالزنا والبذاء، وإيذاء أهلها، كما في الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت3.

{أَجَلَهُنَّ}: اقترابهن من آخر زمان العدة وإشرافهن عليه.

{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}: الإمساك بمعروف يراد به حسن الصحبة، ورعاية ما جعل الله لهن من الحقوق.

{فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}: أي الانفصال عنهن مع الاحترام والمحافظة على حقوقهن الشرعية.

* * *

طلاق النساء لعدّتهنّ

{يا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ} أي إذا أردتم طلاقهن. والإتيان بالخطاب على سبيل الجمع، باعتبار أن النبي(ص) يمثل العنوان للأمة في رسالته، ما يجعل الخطاب له خطاباً لأمته، من خلال تجسيده للأمة في ما تجتمع عليه من شأن الرسالة الإسلامية.

{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي فليكن الطلاق في نطاق العدة التي تمثل انفصال المرأة عن الحياة الزوجية، والابتعاد عن أية علاقة أخرى بشخصٍ آخر، فتبدأ المرأة من حيث الطلاق أول زمان العدة لتمتد من أول طهر يواقعها فيه، حيث يأخذ الطلاق شرعيته حتى تنقضي أقراؤها. {وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ} في حساب دقيق للأقراء التي تعتد بها، وهي الأطهار الثلاث في أول الحيضة الثالثة منذ الحيضة التي تسبق الطلاق. ولعل الأساس في ذلك هو ملاحظة التشريعات المفروضة في هذه الفترة، وهي النفقة والسكن للمطلقة، وحق الزوج في الرجوع إليها، وحرمة زواجها بغيره.

{وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ} فلا تستسلموا للعقدة الذاتية التي أدت إلى الطلاق فتطردوهن على أساس الشعور العدواني، {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ} التي كنَّ يسكنّها قبل الطلاق، بل يجب إبقاؤهن فيها، {وَلاَ يَخْرُجْنَ} بأنفسهن، لأن طبيعة العدة الرجعية تجعل المطلقة بحكم الزوجة واقعياً، فليس لها أن تقترن بشخص آخر في هذه المدة، وللزوج أن يرجع إليها من دون عقدٍ ومن دون أن يكون لها حق الاختيار في الرفض، فتعود الزوجة إليه بمجرد اختياره الرجعة وإعلانه ذلك على مستوى الالتزام، مما لا يترك لها حرية التحرك في هذه الفترة بعيداً عن رضا الزوج المطلق، {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} أي ظاهرةٍ كالزنا والبذاء وإيذاء أهلها، في ما روي التمثيل به عن أئمة أهل البيت(ع).

{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} التي جعلها الله في دائرة العلاقات الزوجية في حالة الطلاق، فلا يجوز للمؤمن أن يتعداها، فيقدم أو يؤخر أو يفعل ما يجب تركه، أو يترك ما يجب فعله، {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} لأن الله قد جعلها لمصلحة الإنسان، كما أن التمرد على أحكام الله، في ما يوحي به من التعرض لعقابه، من خلال ما يستلزمه من سخطه، يمثل ظلماً للنفس في تعريضها لدخول النار.

{لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} أي أن هذه الفترة التي جعلها الله محطة للتأمل من قبل الزوج والزوجة، وفرصة للرجوع، قد تغير الظروف التي فرضت الطلاق، وقد تفسح المجال لمشاعر جديدة ولمشاريع وفاقيةٍ، حيث يذوب الانفعال، وتتبخر المشاعر المضادة، وتهدأ الأعصاب المتوترة، ويقف كلٌّ منهما وجهاً لوجهٍ أمام الفراغ العاطفي في ما كان يعيشه قبل ذلك من الامتلاء الروحي بالمعاني العاطفية، لتنطلق مسألة العودة بشكلٍ جديٍ، فلا تجد أمامها حاجزاً، بل تجد الساحة جاهزةً للّقاء في روحيةٍ جديدة، تتمرد على الأخطاء الماضية، لتبدأ عملية التصحيح. وهذا هو الذي توحي به مسألة البقاء في البيت الذي عاشت الزوجة فيه ذكرياتها الحميمة، ومسألة الإنفاق التي توحي ببقاء الزوج على تحمُّله مسؤولية حياة الزوجة، ومسألة المنع من الزواج من أحد آخر، الأمر الذي يوحي بأن الطريق لا يزال مفتوحاً أمام الزوجة للتراجع، وأمام الزوج للرجوع، تماماً كما لو كانت الحياة الزوجية مستمرة مع وقف التنفيذ، لتكون عملية الطلاق الرجعي عملية تجميدٍ لا إزالةٍ للزوجية.

{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي إذا بلغن الحد الأخير الذي ينتهي بعده الأجل، في ما يقارب نهاية العدة، فلا تواجهوا الموقف بطريقة التعسف لتضطهدوا المرأة لتبقى معلقةً في العدة، ورفض السماح لها بحريتها في اختيار طريقة الحياة التي تريدها، في البقاء حرة من دون التزامٍ بعلاقةٍ زوجيةٍ جديدةٍ، أو في اختيار علاقةٍ أخرى، لأن بعض الأزواج المعقّدين ربما يعيشون العقدة النفسية التي لا يطيقون فيها أن يتصوروا علاقة أشخاص آخرين بزوجاتهم السابقات، بفعل الغيرة العمياء، والأنانية الجاهلة. وهذا هو الذي أراد الله أن يواجهه في سلوك الإنسان ليقول له: إن التشريع قد أفسح له مجال الرجوع إلى زوجته في أثناء العدة من دون مقدمات إذا كانت له رغبةٌ بها. وفي هذه الحال، لا بد من أن يرجع إليها، في ما عبر عنه بالإمساك، ولكن بالمعروف الذي يحترم فيه علاقته بها كإنسان يحترم كل حاجات الإنسان فيه، من حسن الصحبة والقيام بالحقوق المفروضة. أما إذا لم يَعد له أية رغبةٍ بها، لأن المشاكل التي فرضت الطلاق لا تزال كما هي، بحيث لم تعد العلاقة الزوجية أمراً مريحاً له أو للطرفين، فهناك الحل الآخر، وهو إفساح المجال لهذه المرأة في أن تعيش حياتها الخاصة، من خلال قرارها الحر، فليبتعد عنها ابتعاداً كلياً، وهذا هو الخيار الثاني.

{أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} ليذهب كل منكما إلى سبيله، ليختار نمط حياته الجديد.

{وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} على الطلاق عند إيقاعه، أو على الرجعة عند حصولها. والمراد بالعدل هو الإنسان المستقيم على خط الشريعة في أفعاله وأقواله، كما تقدم الحديث عنه في سورة البقرة.

* * *

أقيموا الشهادة لله

{وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} في ما تحملونه من شهادةٍ حول هذا الموضوع أو غيره كمسؤوليةٍ شرعية ملزمةٍ، لأنها ليست مسألةً ذاتيةً لترفضوا إقامتها أو تقبلوها، وليست متصلة بالمشهود له، لتحددوا موقفكم منها على أساس العلاقة السلبية أو الإيجابية منه، في ما تفرضه مصالحكم الخاصة في السلب أو الإيجاب، بل هي مسؤولية الحق الذي يريد الله من الإنسان أن يعمل على إظهاره في ما يتوقف فيه ظهوره على تقديمه المعلومات الخاصة التي يملكها عنه، بإقامة الشهادة عليه أمام الجهات المسؤولة التي تملك أمر الفصل فيه، لتكون الشهادة لله من موقع الطاعة له، للحصول على رضوانه.

{ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر} لأنه هو الذي يعيش الشعور بالمسؤولية في عمق حياته، من خلال إيمانه بالله الذي يسعى للقرب منه، ومن خلال إيمانه باليوم الآخر الذي يرغب في الحصول على النتائج الطيبة فيه على مستوى المصير، فيدفعه ذلك إلى الوقوف عند حدود الله، والسير على خط التقوى، والإخلاص في الشهادة لله.

* * *

ومن يتق الله يجعل له مخرجاً

{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} في ما تمثله التقوى من السير على خط الإيمان بالله واليوم الآخر، في إيحاءاته الروحية والتزاماته العملية، ما يجعله محبوباً لله، مرضياً عنده، قريباً إليه، فينظر إليه بعين الرحمة، عندما تضيق به الأمور، وتغلق عنه الدروب، وتنسدّ عليه نوافذ الخلاص، فلا يملك سعة في الحركة، ولا مخرجاً في الدرب، ولا منفذاً في الأفق، فهناك يجعل الله له المخرج حيث لا مخرج، والسعة حيث لا مجال لأية سعةٍ، والمنفذ حيث لا منفذ، لأن الطرق المسدودة والنوافذ المغلقة والساحات الضيقة هي ما يفكر الإنسان فيها بعقلية المأزق الذي لا خلاص منه، لأنه يفكر بالحدود المادية للأشياء، في ما تخضع له الأشياء من حوله للحدود، ولكن الله الذي فتح للإنسان مسارب الحياة وآفاق الانطلاق، يملك في غامض علمه أكثر من مخرجٍ ونافذةٍ تطل بالإنسان على آفاق الفرج، ما يفرض عليه، في وعيه الإيماني، أن لا يسقط أمام الباب المسدود، لأنه لا أبواب مسدودة أمام قدرة الله، وأن لا يستسلم لليأس، لأن اليأس يتحرك في دائرة القدرة المحدودة، ولا حدود لقدرة الله الذي يتدخل بقوته ليبعث الأمل من قلب اليأس كما أخرج الوجود من قلب العدم.

* * *

ويرزقه من حيث لا يحتسب

{وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} فإذا ضاق به رزقه، وأغلقت عنه مداخله ومخارجه من خلال الوسائل التي يملكها في ساحته العملية، فإن عليه أن لا يستغرق في حدود هذه الوسائل، بل يفكر بطريقةٍ إيمانيةٍ بأن الله الذي أخرج النبتة من قلب الأرض الميتة، ومنح الأرض الجرداء الحياة من خلال المطر النازل عليها، وأجرى الرزق للحشرات الدقيقة في أعماق الأرض، وخلق الأقوات للهوام المنتشرة في الفضاء، هو القادر على أن يبعث إليه رزقه من غير الأماكن التي يترقبه فيها، وبغير الوسائل التي يملكها، فيرزقه من حيث لا يتصور ولا يحتسب، ليكون ذلك أشبه بالمفاجأة التي تصدم يأسه، وتحطم شعوره بالخيبة والضياع.

* * *

ومن يتوكل على الله فهو حسبه

{وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} لأنه الذي يملك الأمر كله، فهو يملك الناس كلهم، والحياة كلها، ويملك ما يملكه الآخرون، لأنه هو الذي منحهم الملك والقدرة على تحريكه في كل مواقع الحركة، ما يجعل التوكل عليه انطلاقاً من مواقع الثقة الثابتة التي لا مجال فيها لأي اهتزاز روحي، لأن الله هو الذي تتحرك الأشياء من موقع إرادته، فإذا أراد شيئاً كان، فلا يمنعه من تنفيذ إرادته مانع في الأرض ولا في السماء، {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطلاق:3]، {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس:82].

* * *

قد جعل الله لكل شيءٍ قدراً

{قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} فقد خلق الكون كله، وجعل له نظامه الدقيق المحكم المتوازن المتكامل في كل معطيات الوجود، بحيث كان لكل شيء حدٌّ في الزمان والمكان والحركة والغاية، ما يفرض أن الحدود إذا بلغت مداها، فلا بد من أن تحقق نتائجها بإذن الله.. ولكن لا بد لنا من أن نفكر بأن هناك نوعين من الأسباب في ما تتحرك به حياة الإنسان: فهناك الأسباب الظاهرة التي تنفتح عليها المعرفة الإنسانية في طبيعتها وفي حدودها، في ما يخضع له جانب اليأس والأمل عندما تتجمع لديه أو تبتعد عنه، وهناك الأسباب الخفية التي تندرج في عالم الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الله. فإذا ضاقت الأسباب الظاهرة لدى الإنسان، فإن عليه أن يتطلع إلى الله ليرجو منه حل المشكلة من خلال ما يعلمه في غامض علمه من شؤون الأسباب والمسببات، ليبقى مشدوداً إليه في كل أموره الظاهرة والخفية، فلا ييأس من روحه في كل لحظةٍ من لحظات الوعي الإيماني الخاشع بين يديه.

* * *

وقفة تأملية أمام الآية

وقد نلاحظ في وقفةٍ تأمليةٍ أمام هذه الآية أنها تؤكد للإنسان المؤمن عدة نقاطٍ في حركة حياته:

1 ـ الشعور الدائم بأنّ الله لا يخذله في ما يواجهه من صعوبات الحياة، فلا يضيق به موقفٌ، ولا ينغلق عنه بابٌ، بل يبقى متقدماً منطلقاً نحو الفرصة الغيبية التي يمنحها الله، أو نحو المجهول الغامض الذي يكشفه، ولكن لا على أساس أن يجلس جلسة الاسترخاء التي ينتظر فيها الفرج من غامض علم الله، من دون سعيٍ ولا حركةٍ، بل يبقى في حركته المندفعة نحو الغاية، مترقباً ثغرةً في هذا الحائط المسدود، أو مدخلاً في هذا الطريق الضيق، في ما يمكن أن يكون قد أغلق عليه أمره، أو في ما يمكن أن يفتحه الله عليه، فلا تكون القضية عنده فرصةً للكسل، بل انطلاقةً للعمل.

2 ـ أن يبقى الإنسان مشدوداً إلى مسألة الرزق على أساس أن أمره بيد الله، فإذا أغلق عنه باب، فهناك أكثر من باب مفتوح في علم الله، وإذا ضاق به مصدر، فهناك أكثر من مصدرٍ، ما يجعله يعيش الضيق على أساس انتظار السعة، والشدة على أساس انتظار الرخاء، الأمر الذي يعينه على التمرد على إغراءات الآخرين الذين يستغلون أوقات الضيق لدى الإنسان المؤمن، ليلوّحوا له بالمال الذي يفقد معه حريته، في ما يفرضونه عليه من شروطٍ صعبةٍ، من أجل أن يستعبدوا بها إنسانيته، ويضغطوا بها على قراره، وينحرفوا به على أساسها عن الطريق المستقيم. وهذا هو ما يعيشه الضعفاء أمام حاجاتهم المعاشية عندما يواجهون الحصار المالي في كل جوانب حياتهم.

إن الآية توحي للمؤمن بأن عليه الصبر الواعي الذي يحفظ به موقفه لينتظر الرزق من الله من حيث لا يحتسب، تماماً كما هي الإشراقة القوية التي تصدم الظلام بقوةٍ فجائيةٍ فتطرده بشكل سريع.

3 ـ الثقة بالله في وعده، من خلال الإيمان بأنه بالغ أمره، وبأنه الكافي لمن توكّل عليه، ولا كافي غيره، لينفتح عليه من أوسع الآفاق، وليثق بحياته السائرة في خطه من أوسع الآفاق، على أساس الإيمان به.

4 ـ الإحساس بأن الحياة في انتصاراتها وهزائمها وفي أفراحها وأحزانها لا تتحرك قي أجواء الفوضى، بل تخضع لنظامٍ كونيٍّ متوازنٍ، يضع كل شيءٍ في موضعه، ويقدر لكل حدثٍ قدره، على مستوى الظواهر الكونية أو الظواهر الإنسانية، فيدفعه ذلك إلى التعرف على أسرار الحياة، ليشعر بالثبات في كل حركة الظواهر في قوانينها العامة، فلا يعيش في أجواء الضياع والقلق والحيرة والعبثية، في ما يتحدث به الذين يسقطون أمام مصائب الحياة ومشاكلها.

* * *

مع صاحب الميزان في مضمون الآية

وقد حاول صاحب تفسير الميزان أن يستفيد من الآية في النظر إلى إطلاقها في نفسها مع الغض عن سياقها، معنى قريباً من المعاني العرفانية الفلسفية، فقال في قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} مفاده أن من اتقى الله بحقيقة معنى تقواه، ولا يتم ذلك إلا بمعرفته تعالى بأسمائه وصفاته، ثم تورعه واتقاؤه بالاجتناب عن المحرمات وتحرز ترك الواجبات خالصاً لوجهه الكريم، ولازمه أن لا يريد إلا ما يريده الله، من فعل أو ترك، ولازمه أن يستهلك إرادته في إرادة الله فلا يصدر عنه فعل إلا عن إرادة من الله.

ولازم ذلك أن يرى نفسه وما يترتب عليها من سمةٍ أو فعلٍ ملكاً مطلقاً لله سبحانه يتصرف فيها بما يشاء، وهو ولاية الله، يتولى أمر عبده، فلا يبقى له من الملك بحقيقة معناه شيء إلا ما ملّكه الله سبحانه، وهو المالك لما ملكه، والملك لله عزّ اسمه.

وعند ذلك ينجيه الله من مضيق الوهم وسجن الشرك بالتعلق بالأسباب الظاهرية، {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} أما الرزق المادي، فإنه كان يرى ذلك من عطايا سعيه، والأسباب الظاهرية التي كان يطمئن إليها وما كان يعلم من الأسباب إلا قليلاً من كثيرٍ، كقبسٍ من نارٍ يضيء للإنسان في الليلة الظلماء موضع قدمه، وهو غافلٌ عما وراءه، لكن الله سبحانه محيط بالأسباب، وهو الناظم لها ينظمها كيف يشاء ويأذن في تأثير ما لا علم له به من خباياها.

وأما الرزق المعنوي الذي هو حقيقة الرزق الذي تعيش به النفس الإنسانية وتبقى، فهو مما لم يكن يحتسبه ولا يحتسب طريق وروده عليه.

وبالجملة، هو سبحانه يتولى أمره ويخرجه من مهبط الهلاك ويرزقه من حيث لا يحتسب، ولا يفقد من كماله والنعم التي كان يرجو نيلها بسعيه شيئاً، لأنه توكل على الله وفوَّض إلى ربه ما كان لنفسه، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} دون سائر الأسباب الظاهرية التي تخطىء تارةً وتصيب أخرى، { إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} لأن الأمور محدودةٌ محاطةٌ له تعالى و {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} فهو غير خارج عن قدّره الذي قدره به»[1].

ونلاحظ على هذا التفسير، أنه بعيدٌ عن ظاهر الآية، لو نظرنا إليها بنفسها، فإنها تشبه الآيات التي تتحدث عن الوعد بالجنة أو بالنصر، أو بالفلاح على تقدير السير في خط التقوى الذي يتمثل في خط السير العملي للإنسان، لتكون الأمور المترتبة عليه بمثابة الجزاء على التقوى، من دون أن تكون بمثابة النتائج الداخلية المعنوية له، بل هي بمثابة الأمور المنفصلة عنه. ولعل التعمق الفلسفي العرفاني هو الذي أدى إلى الفهم بعيداً عن منطق الآية.

ــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الميزان، ج:19، ص:329.