من الآية 8 الى الآية 12
الآيــات
{وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً* فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُواْ اللَّهَ يا أُوْلِي الأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِّتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا} (8-12).
* * *
معاني المفردات
{عَتَتْ}: العتو: قال الراغب: العتو النبوّ عن الطاعة[1].
{نُّكْراً}: النكر الدهاء والأمر الصعب الذي لا يعرف. وفي المجمع: النكر: المنكر الفظيع الذي لم يُر مثله[2].
* * *
جولة وعظية في رحاب التاريخ
وهذه جولةٌ وعظيّة في رحاب التاريخ، وانطلاقة توجيهيةٌ في أجواء الحاضر والمستقبل، في السير على خط الله ورسوله الذي يفتح العقل والقلب والحياة على إشراقة النور المتفجر من أعماق الوحي، لتنتهي المسألة إلى الجنة التي وعد الله بها المتقين، ولتبقى مع الله الذي خلق الكون كله.
{وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} أي استكبرت عن الخضوع لله في إطاعة أمره، والمراد بالقرية، أهلها، في ما تختزنه من معنى المجتمع الذي يعيش فيها، {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً} في ملاحقة كل مفرداتها العملية، في ما كان الأنبياء يحدثونها عن ذلك، وعن النتائج الصعبة التي تنتظرهم من خلال كفرهم وعصيانهم، فلم يخضعوا للحساب، ولم ينتبهوا له، ولم ينفتحوا على المشاكل التي تحيط بهم في ساحته. {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً} لا يطيقه الذين يشاهدونه في ما يتعرفون إليه من قسوته وصعوبته، بالمستوى الذي يؤدي إلى هلاكهم واستئصالهم، {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} في ما قامت به من العتوّ والاستكبار، حيث لاقت الجزاء القاسي، {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً *أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً}، وتلك هي الخسارة الكبيرة التي وقع فيها هؤلاء كنتيجةٍ لسوء سلوكهم واختيارهم.
{فَاتَّقُواْ اللَّهَ يا أُوْلِي الألبابِ} الذين تفكرون بعقولكم لتكتشفوا وجه الحق من الباطل، والخطأ من الصواب {الَّذِينَ آمَنُواْ} فانطلقوا مع الإيمان بمنطق الفكر المنفتح على الحق الذي يرتبط بالإيمان بالله ورسله برباطٍ وثيقٍ.
وفي ضوء ذلك، فإنّ التقوى العملية السائرة على خط الشريعة الحقة في أحكامها ومفاهيمها، تلتقي بالعقل الذي يرى فيها خط السلامة في الدنيا والآخرة، وبالإيمان الذي يرى فيها الانسجام مع إرادة الله ورضاه.
{قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً} يخطط لكم المنهج الصحيح في حياتكم، ليؤدي بكم إلى النهاية السعيدة التي تذكركم بالله كلما نسيتموه، وباليوم الآخر كلما أغفلتموه، وبالرسالة التي تحملتم مسؤوليتها منذ آمنتم بها كلما ابتعدتم عن خطها المستقيم.
{رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ} ولعلّ إطلاق الذكر على الرسول باعتبار أنه يجسّد القرآن الذي يشتمل على الذكر الإلهي، فيكون باعثاً على التذكر في ما يتلوه من آيات الله المبيّنات. أمَّا كيف نتصور إنزال الرسول فقد فسّره البعض بالإنزال من عالم الغيب، أي بعثه منه، وإظهاره لهم رسولاً من عنده بعدما لم يكونوا يحتسبون، وقد فسّره صاحب الكشاف بجبريل[3] باعتبار إنزاله من السماء، ويكون حينئذٍ معنى تلاوته الآيات عليهم تلاوته على النبي(ص) بما أنه متبوعٌ لقومه ووسيلة الإبلاغ لهم، لكن ظاهر قوله تعالى «يتلو عليكم... إلخ» خلاف ذلك.
ويحتمل أن يكون «رسولاً» منصوباً بفعلٍ محذوف، والتقدير أرسل رسولاً يتلو عليكم آيات الله، ويكون المراد بالذكر القرآن أو ما بيّن فيه من الأحكام والمعارف. وقد يكون الأقرب أن يكون رسولاً بدلاً قريباً من أجواء بدل الاشتمال باعتبار أن إنزال الذكر يختزن في داخله وجود رسول يبلغه ويتلوه بعد أن كان الإنزال بشكل غير مباشر، والله العالم.
{لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} من خلال انفتاحهم على إشراقة الوحي في فكره وروحه وشريعته التي تمثل النور الذي يضيء للمؤمنين طريقهم إلى الله، وإلى الحياة المتطلعة إليه وإلى رضوانه.
{وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً}، لأن ذلك هو مظهر القرب إليه، في ما يريد أن يقرب عباده إلى مواقع سعادتهم في الآخرة في دار النعيم، {قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً} في ما وعدهم به من الرزق الحسن الذي لا حدود له، فقد جعل لهم ما تشتهي أنفسهم، كما جعل لهم ما يدّعون {نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت:32]، في ما يغفره من خطاياهم وفي ما يرحمهم في مواقع حاجتهم إليه، ولا شيء في وجودهم إلاَّ وهو محتاجٌ إليه.
* * *
خلق سبع سماوات وسبع أرضين
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ} فهناك أرضون سبع، لم يتحدث عن عددها إلاَّ في هذه الآية، بينما تحدّث في أكثر من آيةٍ عن السماوات السبع، ولكن لم يُعرف ما هو المراد بالأرضين السبع، فهل هناك سبع كراتٍ من نوع الأرض التي نحن عليها، والتي نحن عليها إحداها، أو الأرض التي نحن عليها سبع طبقات محيطة ببعضها البعض، والطبقة العليا بسيطها الذي نحن عليه، أو المراد الأقاليم السبعة التي قسّموا إليها المعمور من سطح الكرة؟ وجوه، ذهب إلى كل منها جمع، ولكن لا طريق لنا إلى معرفة ذلك، لأن الله أجمل لنا ذلك، ولم تفصله لنا السنة في ما صح منها..
{يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ} أي بين السماوات والأرض، في ما يدبر به الله أمر الكون والإنسان والحياة، أو في ما ينزله من تشريعات تنظم للإنسان حياته، {لِّتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من خلال امتداد خلقه، في أسرار الإبداع وفي مظاهر العظمة، في ما تتمثل به سعة قدرته التي لا يحدّها شيء، {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} من خلال إحاطته بشؤون خلقه التي لا يعلم أسرارها غيره، ما يفرض على الناس أن يثقوا به، ويستعينوا به، وأن يراقبوا أنفسهم في أعمالهم، من خلال إحاطته الشاملة بهم في كل شؤونهم الداخلية أو الخارجية.
ــــــــــــــــــــــــ
(1) مفردات الراغب، ص:333.
(2) مجمع البيان، م:5، ص:465.
(3) تفسير الكشاف، ج:4، ص:123.
تفسير القرآن