تفسير القرآن
التحريم / المقدمة + من الآية 1 إلى الآية 2

 المقدمة + من الآية 1 الى الآية 2
 

سورة التحريم
مدنية، وهي اثنتا عشرة آية

في أجواء السورة

وهذه سورةٌ مدنيةٌ تتنوع أغراضها وموضوعاتها، ففي الجزء الأول منها، حديثٌ مع النبي عن بعض خصوصياته اليومية، في ما كان يجهد به نفسه من الرفق بمن حوله، لا سيما أزواجه، بالامتناع عن بعض ما أباح الله له مما كان يحب أن يفعله، فقد أراد الله منه أن يأخذ حريته في ذلك، حتى لو كان قد حرمه على نفسه بيمين أو بغير يمين.

ثم تلامس السورة في الجزء الثاني بعض المشاكل التي كانت تحدث في داخل البيت الزوجي، من قبل بعض زوجاته اللاتي أفشين سره الذي أراد منهن حفظه. ثم تثير الموضوع بلهجةٍ قاسيةٍ توحي بأن صبره على الإساءة إليه لا يعني ضعفاً فيه، لأن الله وملائكته وصالح المؤمنين يساندونه في كل شيء، وتهدَّدهن بالطلاق، وباستبدالهن بخيرٍ منهن، إذا أصررن على التعسف في علاقتهن به.

ثم يأتي الجزء الثالث ليوجه المؤمنين إلى حماية أنفسهم وأهليهم من النار، وإلى التوبة النصوح إلى الله من ذنوبهم، ليحصلوا على الجنة يوم القيامة.

ثم تدعو النبي إلى جهاد الكفار والمنافقين، وتضرب المثل للكافرين والمؤمنين ببعض النساء الكافرات والمؤمنات، من أجل أخذ العبرة من ذلك.

وقد أطلق على السورة اسم «التحريم» انطلاقاً من الآية الأولى التي تتحدث عن تحريم النبي على نفسه ما أحلَّ الله له.

ـــــــــــــــــــــ

الآيتـان

{يا أيّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (1ـ2).

* * *

معاني المفردات

{تَحِلَّةَ}: التحلة أصلها تحللة على وزن تذكرة وتكرمة، مصدر كالتحليل، قال الراغب: وقوله عز وجل: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} أي بيّن ما تنحلّ به عقدة أيمانكم من الكفارة[1].

* * *

تحليل الله للنبي ما حرّمه على نفسه

{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} من بعض مشتهياتك الذاتية، مما ترتاح له نفسك، فتزداد قوةً على ممارسة مسؤوليتك، لأن الإنسان المسؤول قد يرتاح إلى بعض صفاء الفكر وراحة الجسد في حياته الخاصة، ما يجعل من الضغط النفسي مشكلةً له على المستوى الشخصي والعام. وقد كان النبي(ص) رفيقاً بمن حوله، بحيث كان يضغط على نفسه لحساب راحة الناس المحيطين به، لأنه كان الرؤوف الرحيم في أخلاقه الكريمة. ولهذا أراد الله أن يخفف عنه ذلك، فخاطبه خطاباً يشبه عتاب الحبيب للحبيب، متسائلاً: لماذا تحرّم على نفسك ما أباحه الله لك، {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} في ما كنت تريده من إدخال السرور عليهن، ولو على حساب أعصابك؟ وربما كان التحريم الذي صار سبباً للحرمة، كان ناشئاً من الحلف على ترك ما لا تريده بعض أزواجه، مما يوجب الإلزام بالترك على أساس وجوب التقيد باليمين. ومن هنا، جاءت هذه الآية لتحلّه منه بمقتضى تحليل الله له، فلا إثم في الحنث به. {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فهو الذي يفتح مغفرته ورحمته لعباده ليمنحهم رضوانه، سواء كان ما فعلوه مما حرّمه عليهم، أو مما حرموه على أنفسهم باليمين ونحوه، أو بالالتزام الذاتي بالترك لما أباحه لهم.

{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} في ما جعله لكم من أسباب التحليل العامة والخاصة، فجعل لكم أن تتحللوا منها لتأخذوا حريتكم في ترك ما التزمتم فعله، أو في فعل ما التزمتم تركه، بالوسائل التي جعلها في متناول أيديكم. {وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ} الذي يتولى أموركم، ويسير بكم إلى مواقع النجاح من خلال التشريع الحكيم والهداية القويمة. {وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} الذي يعرف كل ظروفكم وأسراركم ومواضع صلاحكم وفسادكم، ويتصرف في أموركم بحكمته، في ما يريد لكم أن تفعلوه، وفي ما يفرض عليكم أن تتركوه.

وقد أفاض الرواة المفسرون في طبيعة العمل الذي حرمه النبي(ص) على نفسه بيمينه، فبين قائل إنه حرم عليه فتاته مارية التي كانت سرية له إرضاءً لبعض أزواجه، فحلف أن لا يقاربها بعد ذلك، وبين قائل إنه شرب من زوجته سودة عسلاً، فحلف أن لا يشرب منها شيئاً بعد ذلك لأن عائشة وحفصة وجدا فيه ريحاً كريهةً من خلاله.

ونحن لا نريد الإفاضة في ذلك، لأن القضية عندنا تتصل بالمبدأ الذي نريد أن نستوحي منه سموّ خلق النبي محمد(ص) في الرفق بمن حوله، ورعاية الله له في حلّ يمينه إرفاقاً به، لئلا تثقله التزاماته الشخصية في داخل البيت الزوجي عن القيام بمسؤولياته في الدعوة والجهاد ورعاية الشؤون العامة للمسلمين.

ـــــــــــــــــ

(1) مفردات الراغب، ص:128.