تفسير القرآن
التحريم / من الآية 10 إلى الآية 12

 من الآية 10 الى الآية 12
 

الآيــات

{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَة نُوحٍ وَامْرَأَة لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَاخِلِينَ* وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}(10-12).

* * *

معاني المفردات

{فَخَانَتَاهُمَا}: الخيانة: قال الراغب: الخيانة والنفاق واحد، إلاّ أن الخيانة تقال اعتباراً بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتباراً بالدين ثم يتداخلان، فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر، ونقيض الخيانة: الأمانة، يقال: خنت فلاناً وخنت أمانة فلان[1].

* * *

المرأة في مستوى المثل للآخرين

وفي هذه الآيات نلتقي بالمرأة لتكون مثلاً حيّاً للخط السلبي والخط الإيجابي في سلوك الإنسان، الرجل والمرأة، فكانت المرأة الكافرة في نموذجين مثلاً للذين كفروا، وكانت المرأة المؤمنة في نموذجين، مثلاً للذين آمنوا، لنأخذ من ذلك الفكرة الإسلامية التي تتحدث عن المرأة من موقع القيمة التي تصلح عنواناً للضعف البشري، أو تكون وجهاً من وجوه القوّة الإنسانية، لتوحي بأن الضعف الأنثوي لا يمثل الحتمية الخالدة في شخصية المرأة، بل يمكن لها أن تنميِّ عناصر القوّة في شخصيتها، لتحصل على الشخصية القوية التي تكون قدوةً ومثلاً حيّاً إيجابياً للرجل والمرأة معاً، ما يلغي الفكرة التي تنظر إلى المرأة من موقع الضعف الذي لا مجال فيه لأيّة قوةٍ.

* * *

امرأتا نوح ولوط مثلٌ للكافرين

{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} فكانتا زوجتين لنبيين من أنبياء الله هما نوح ولوط، {فَخَانَتَاهُمَا} في موقفهما المضاد للرسالة، حيث اتبعتا قومهما في الكفر، ولم تنسجما مع طبيعة موقعهما الزوجي الذي يفرض عليهما أن تكونا من أوائل المؤمنين بالرسالة، لأنهما تعرفان من استقامة زوجيهما وأمانتهما وصدقهما وجدّيتهما ما لا يعرفه الآخرون، فلا يبقى لهما أيّ عذرٍ في الانحراف عن خط الرسالة والرسول، ولكن المشكلة أنهما كانتا غير جادّتين في مسألة الانتماء الإيماني والالتزام العملي، فلم تنظرا إلى المسألة نظرةً مسؤولةً، بل عاشتا الجو العصبي الذي يربطهما بتقاليد قومهما، فكانتا تفشيان أسرار النبيين في ما قد يسيء إلى مصلحة الرسالة والرسول، وكانتا تبتعدان في سلوكهما عن منطق القيم الروحية الإيمانية لتبقيا مع منطق الوثنية، ما يجعل البيت الزوجي النبوي يتحرك في دائرة الجاهلية إلى جانب دائرة الإيمان، ولعل ضلال ابن نوح كان خاضعاً لتأثير والدته، ويقال: إن امرأة لوط كانت تخبر قومها بالضيوف الذين يزورون زوجها، ليقوموا بالاعتداء عليهم، فكانت خيانتهما للموقف وللموقع.

{فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} ولم تنفعهما صلتهما الزوجية بالنبيّين في إنقاذهما من المصير المحتوم، لأن المسؤولية لدى الله تبقى في النطاق الفردي الذي يتحمل فيه كل إنسان مسؤولية عمله، من خير أو شرّ، فلا قيمة للعلاقات بالخيّرين إذا كان المتصل بهم كافراً شريراً، كما لا قيمة للعلاقات بالأشرار إذا كان المتصل بهم مؤمناً خيِّراً. وهكذا واجها الموقف الحاسم الذي يفرضه كفرهما وخيانتاهما العملية للنبيِّين، {وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَاخِلينَ} لأن القاعدة التي فرضت دخولهم في النار هي التي تفرض دخولكما فيها.

* * *

امرأة فرعون ومريم مثلٌ للمؤمنين

{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} التي كانت في موقع السلطة العليا التي يملكها زوجها، فكانت في مقام الملكة لشعبها، وكانت الدنيا بكل زخارفها وزينتها وشهواتها ولذاتها، تحت قدميها، ولكنها رفضت ذلك كله عندما اكتشفت الإيمان بالله، وعاشت في خط العبودية له، وذاقت طعم مناجاته في حالة الخشوع الروحي والخضوع الجسدي في لحظات السجود الذي كان يرتفع بروحها إلى الدرجات العليا الروحانية في رحاب الله، فاحتقرت زوجها وملكه، وكل هؤلاء الخاضعين له، المتزلفين له، اللاهثين وراء ماله وسلطانه، ليحصلوا على شيء منهما، ورأت نفسها غريبةً بينهم، لأنها تعيش غربة الروح والفكر والشعور عن كل أوضاعهم وعاداتهم ومنطقهم الكافر، ونظرت إلى الدار الواسعة التي هي في رحابة القصور الملكية التي تحيط بها الجنائن النضرة وتجري الأنهار من تحتها، فشعرت بالاختناق الروحي فيها، فصرخت في ما يشبه الاستغاثة في خلوتها الروحية بين يدي الله الذي كانت تراه بعين إيمانها القلبي، {إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ}، لأنه البيت الذي أعيش فيه في جنة رضوانك، وأحسُّ فيه بسعادة الروح إلى جانب نعيم الجسد، فلا أحس بأيّ حزنٍ مما يحسّ به الناس في الدنيا، لأنني لا أجد هناك أيّ حرمان يوحي بالألم أو بالحزن الداخلي، فهذا هو الحلم الكبير الذي أتطلع من خلاله إلى السعادة المطلقة، فأنا الإنسانة التي أشعر بالتعاسة القاسية، في ما يشعر به الناس بالسعادة التي تلتقي عندها أحلامهم، وأشعر بالسعادة في ما لا يبالي فيه الناس في أفكارهم.

{وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ} في علوّه الاستكباري، وفي ظلمه للمستضعفين من الناس، وفي طغيانه على الحياة والحقيقة، وفي تمرّده على الله، فإني لا أطيق الحياة معه، لأني أتصوره كما يتصور الإنسان الوحش إذا أقبل عليه أو عاش معه. ولذا، فإنّ نجاتي منه هي حلم حياتي الكبير.

{وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} الذين يمثلون المجتمع الفرعوني الذين يزينون له طغيانه وجبروته، ويضخمون له شخصيته، ويدعمون ظلمه واستكباره، ليكونوا قاعدة الظلم الذي يمارسه في ما يشرّعون له من قوانين، وفي ما ينفذونه من خططه ومشاريعه.

وهكذا نجد في هذه المرأة المؤمنة التي عاشت في أعلى درجات السلم الاجتماعي، التي يضعف الأقوياء أمامها فيسقطون وتسقط معهم مبادئهم، المثال الحيّ للمرأة القويّة التي تجمعت فيها كل عناصر القوّة، من الروحية العالية، والإرادة الحديدية، والوعي العميق لكل خلفيات الواقع الفاسد الذي يحيط بها، لتعطي الدرس الكبير لكل الذين يتعلّلون في تبرير انحرافهم بالبيئة الفاسدة التي يعيشون فيها، فلا يملكون إلا الخضوع لضغوطها الشديدة، لتقول لهم بأنهم لم يبلغوا في انحراف مجتمعهم ما بلغه مجتمعها الخاص والعام من خطورة الانحراف، ولم يعيشوا في قلب الإغراء كما عاشت فيه، ولكن الفرق بينها وبينهم، أنهم عاشوا الانبهار بالواقع المحيط بهم، عندما استغرقوا فيه، فسقطوا في أوحاله، أمّا هي فقد ارتفعت بروحها وعقلها عنه، وحدّقت فيه تحديقة الإنسان الواعي الذي يريد أن يرى العمق الداخلي ليكتشف ما في داخله من أوساخٍ وأدران ونقاط ضعفٍ، ليتخذ موقفه من خلال وعي العمق، لا من خلال سذاجة السطح.

وبذلك استطاعت أن تتجاوز الضعف الأنثوي، لترتفع إلى درجة القوة الإنسانية الإيمانية التي تتقدم فيها على الرجال في إرادتها القوية وقرارها الحاسم، لتكون أمثولةً للرجال والنساء من المؤمنين، ليرتفعوا إلى مواقع السموّ التي بلغتها من خلال الوعي الإيماني في شخصيتها الإنسانية.

{وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} في تعبيرٍ كنائيٍّ عن طهارتها وعفتها التي استطاعت أن تحافظ عليها من خلال قوَّتها الروحية الإيمانية، وأن تواجه قومها الذين أرادوا أن يتهموها في أخلاقها، بكل قوّةٍ وصلابةٍ وشموخٍ فلم تضعف أمامهم، فاستمدت القوّة من الله {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} فجعلناها وابنها آية للعالمين {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ} التي أوحى بها إلى رسله كالتوراة والإنجيل، {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} الذين خضعوا لله وأخلصوا له العمل، واستمروا عليه في الخط المستقيم.

وهكذا بقيت هذه الإنسانة الطاهرة مثلاً لكل الناس في الطهر والإيمان والتصديق برسالات الله، والسير على خط طاعته، لتكون النموذج الأمثل الذي يعبر عن قدرة المرأة التي تعيش القرب من الله، أن تنتصر على كل نوازع الضعف التي توحي لها بالانحراف، فتتمرد عليها بالإيمان الخالص والإرادة القويّة، ليقتدي بها الرجال والنساء، من المؤمنين والمؤمنات في كل زمان ومكان.

ـــــــــــــــــ

(1) مفردات الراغب، ص:162.