تفسير القرآن
المعارج / من الآية 19 إلى الآية 35

 من الآية 19 الى الآية 35
 

الآيــات

{إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلاَّ الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ* وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ* لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ* وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ* وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ* إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَأِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لأماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ}         (19ـ35).

* * *

معاني المفردات

{هَلُوعاً}: صفة مشتقة من الهلع بفتحتين، وهو شدة الحرص. وقيل: إن الهلوع تفسره الآيتان بعده، فهو الجزوع عند الشر، والمنوع عند الخير. وهذا التفسير يناسبه السياق.

{حَقٌّ مَّعْلُومٌ}: بحسب ما روي عن الإمام الصادق(ع) هو ليس من الزكاة، وإنما مقدار معلوم ينفقونه للفقراء.

{لِّلسَّآئِلِ}: هو الفقير الذي يسأل.

{وَالْمَحْرُومِ}: الفقير الذي يتعفف ولا يسأل.

{مُّشْفِقُونَ}: خائفون.

{بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ}: القيام بالشهادة: عدم الاستنكاف عن تحمّلها، وأداء ما تحمل منها كما تحمل من غير كتمان ولا تغيير.

{عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ}: المحافظة على الصلاة: رعاية صفات كمالها على ما ندب إليه الشرع.

وقيل: المحافظة على الصلاة غير الدوام عليها، فإن الدوام متعلق بنفس الصلاة، والمحافظة متعلقة بكيفيتها، فلا تكرار في ذكر المحافظة بعد ذكر الدوام عليها.

* * *

الإنسان في صورته السلبية

وهذا حديثٌ عن الإنسان في صورتيه السلبية والإيجابية من خلال استجابته لدعوة الله والتزامه بها، ورفضه لها وابتعاده عنها، في ما يواجهه يوم القيامة من نتائج خيّرةٍ أو شرّيرةٍ.

{إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} والهلع ـ في ما ذكره في الكشاف ـ «سرعة الجزع عند مسّ المكروه، وسرعة المنع عند مسّ الخير»[1]، فلا صبر له أمام النوائب التي تحلّ به، ولا توازن لديه أمام الخيرات التي تقبل عليه، {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً} فيصرخ من الألم، ويسقط أمام الشدائد، وينهار أمام الهزاهز، فلا يملك أن يتماسك أو يثبت في إحساسه بالمشكلة التي تحيط به، {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} فلا يمنح غيره شيئاً مما أنعم الله به عليه من نعم الحياة، لأنه يخاف على نفسه الفقر، ويضيق بالناس الذين يتطلّعون إليه ليحصلوا على بعض ما عنده مما يلبي حاجاتهم ويحلّ مشكلة حرمانهم.

وهكذا يؤكد القرآن المسألة النفسية للإنسان، في جانبها السلبي، عندما تتحول إلى مسألةٍ عمليةٍ واقعيةٍ تنعكس على الجانب السلوكي من حياته، فهي ليست مجرد حالةٍ طارئةٍ خاضعة للظروف المحيطة به، بل هي حالة غريزية في طبيعة تكوينه الغريزي في الضعف الشعوري الذي يقوده إلى الجزع والسقوط، وإلى البخل والحرص. ولكن هذه الغريزة ككل الغرائز الإنسانية، لا تمثّل حتمية الحالة السلبية في نتائجها العملية، لأنها يمكن أن تتحول إلى حالةٍ إيجابيةٍ من خلال التهذيب الروحي الذي ينعكس إيجاباً على التهذيب العملي، ليتوازن السلوك الأخلاقي في شخصيته، فيأخذ بأسباب القوّة عندما ينفتح على الله في انفتاحه على قوّة الله، كما يعيش روحية العطاء عندما يتطلع إلى امتداد حركة النعمة في المستقبل، كما امتدت في الماضي، لأن الله الذي أعطى الإنسان في الماضي هو الذي يعطيه في المستقبل، فيزداد ثقة بالأمن المستقبلي بالرزق، فلا يمنع ولا يبخل على عباد الله.

* * *

الإنسان في صورته الإِيجابية

وهذا ما جعل استثناء المصلّين في قوله تعالى: {إِلاَّ الْمُصَلِّينَ} أمراً طبيعياً، من خلال ما ترمز إليه الصلاة في حياة الإنسان المؤمن من إيمانٍ بالله، وثقةٍ به، وتوكلٍّ عليه، واستسلام له، وانفتاح على معنى العبودية في ذاته، في ما يؤكده ذلك من إحساسٍ بمعنى الحرية الإنسانية أمام الكون كله، لأنه يتساوى معه في كونه مخلوقاً لله تعالى.

وفي ضوء ذلك، يمكن للقيم الروحية الإنسانية في جانبها العملي أن تؤثر إيجابياً في شعوره بالقوّة وحركة الخير والعطاء في حياته، من خلال الإيمان بأن الله يرعاه في نقاط ضعفه وقوّته، وأنه يعوّض عليه كل ما يقدمه للآخرين من ماله، وهذه هي الصفات التي يمكن أن يتّصف بها المصلّون في حركتهم الأخلاقية العملية التي ترتفع بهم إلى مستوى الإنسانية القريبة من الله سبحانه.

{الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} فلا يهملونها ولا يتهاونون بها ولا يتركونها، لأنها تمثّل مسؤوليتهم الروحية بما تمثله من العروج الروحي إلى الله، ما يؤدي إلى الشعور بالحضور الدائم لله في وعيهم العقيدي، فيدفعهم ذلك إلى الانضباط والالتزام العملي، وإلى الشعور بالقوّة المنفتحة على الله.

{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ* للسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ} فهم يرون أن ملكية المال لا تمنحهم درجةً متقدمة على الناس، في ما هو مضمون الامتيازات الحقوقية عليهم، بل تحمّلهم مسؤولية الحق الذي يملكه الناس عليهم ممن يعيشون الحرمان من العيش الكريم من خلال ضغط الحاجات عليهم. ولذلك فإنهم يفرضون على أنفسهم حقّاً ماليّاً معيّناً اختيارياً من خلال ما فرضه الله عليهم فأطاعوه في قيامهم به، أو من خلال ما فرضوه على أنفسهم مما استحبّه الله لهم أو أحلّه لهم، ليعيشوا روح المشاركة للآخرين من الذين تدفعهم حاجاتهم إلى سؤال الآخرين، أو تمثّل المستوى المعيشي الذي يجعلهم في هذه الدرجة حتى لو لم يسألوا الناس، ومن المحرومين الذين عاشوا الحرمان المالي من خلال ضيق اليد وضغط الحاجات، وبذلك يتحمّلون مسؤولية المال في ما يؤمنون به من أنه مال الله الذي آتاهم، فلا بد من أن يمنحوا بعضه لعباد الله، أو أنه الرزق الذي جعلهم وكلاء عليه، وأراد لهم أن يعطوه للسائل والمحروم، فارتفعوا بذلك عن الحالة الضيّقة التي كانت تمنعهم من إعطاء الخير الذي أعطاهم الله إيّاه للناس الذين يحتاجون إليه، {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} فيدفعهم ذلك إلى العمل من أجل الاستعداد له في الدنيا من أجل الحصول على الدرجات العليا فيه، {وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} أي خائفون حذرون، فيتمثّل ذلك في دقة العمل الذي يعملونه حتى يكون مطابقاً لرضى الله سبحانه، ليكون ذلك هو الأساس للأمن من العذاب {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} فقد يستسلم الإنسان للثقة بعمله، فيخيّل إليه أنه على الحق، ولكنه يتخبّط في الباطل، فلا يدقّق في طبيعة العمل وفي خلفياته ونتائجه والشروط الإيمانية لسلامته في حركته نحو الهدف.

وهكذا يشعر المؤمن دائماً بالخوف من الله، والحذر من عقابه، اتّهاماً لنفسه التي يعمل دائماً على أن لا يُخرجها من حدّ التقصير في جنب الله.

{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} من العلاقات المحرّمة في ما يدخل في باب الزنى واللواط ونحوهما، مما يمثل التعدي على حدود الله في العلاقات الجنسية التي حصرها الله بالزواج وملك اليمين، {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنّهم غَيْرُ مَلُومِينَ} لأن هذا هو الحدّ الطبيعي الذي أباح الله للإنسان إرواء ظمئه الغريزي فيه، وحرّم عليه ما عدا ذلك.

* * *

من هم العادون؟

{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ}، من الوسائل المحرّمة التي أشرنا إليها، وفي الاستمناء الذي تصلح الآية دليلاً عليه وعلى حرمة نكاح الحيوان ونحو ذلك، {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} الذين تعدّوا حدود الله، وابتعدوا عن دائرة مباحاته إلى دائرة محرّماته.

وفي ضوء ذلك، نفهم أنّ العفّة عن العلاقة المحرّمة تمثّل وحياً من إيحاءات الصلاة، في ما تؤكده في شخصية المصلّي من مراقبة الله سبحانه في حركة الحلال والحرام في حياته.

* * *

من هم المكرمون في الجنة؟

{وَالَّذِينَ هُمْ لأماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} فقد أراد لهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وأن يراعوها حق رعايتها، كما أمرهم الله برعاية العهد بالحفاظ عليه في كل مفرداته، وبالوفاء به بكل التزاماته، لأن ذلك هو ما يفرضه الإيمان على الإنسان المؤمن من احترام تعهداته للناس باعتبار أنها تمثل لوناً من ألوان تعهداته لله، من خلال علاقة العهد الإنساني بالله وبالناس، فيما هي حركة المسؤولية المزدوجة في سلوكه العملي، {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قائِمُونَ} لأن الشهادة التي يحملها الإنسان في حياته في ما يعرفه من قضايا الناس المتصلة بالحقوق التي يملكها البعض لدى الآخر، هي نوعٌ من الأمانة التي لا يملك أن يمنعها عن صاحبها، فيجب عليه أداء الشهادة إذا دُعي إلى إقامتها ليؤدي ذلك إلى وضوح الحق ووصوله إلى صاحبه، بينما يمثّل كتمانها ضياع الحق بسببه فيكون نوعاً من الخيانة المعنوية التي لا يريد الله للمؤمن أن يعيش فيها في ما يتحمّله من المسؤولية. {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} فيؤدونها كاملةً غير منقوصة للاهتمام بها في كل أجزائها وشروطها وأذكارها وروحيتها، لأن ذلك هو الذي يحقّق النتائج الروحيّة والعمليّة منها، باعتبار أن كل ما فُرِض فيها من أفعالٍ وتروك فهو داخلٌ في العناصر المؤثرة في الغايات المترتبة عليها {أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ}.

ـــــــــــــــــــــ

(1) الكشاف، ج:4، ص:158.