المقدمة+ الآيات 1-14
سورة النازعات
مكية، وهي ست وأربعون آية
في أجواء السورة
وهذه سورةٌ مكيةٌ مثيرةٌ بحركتها الموسيقية، في معانيها المتحركة، التي تكاد تلهث في ملاحقتها، في ما توحي به كلمات: النازعات، والناشطات، والسابحات، والسابقات، والمدبّرات. فهناك حركةٌ دائبة تتنوّع ذات اليمين وذات الشمال، في الامتدادات وفي حيويّة إثارة القوّة والنشاط والتدبير الذي يحرّك الواقع. ويفاجئك الحديث عن يوم القيامة في رجفة الحركة، ووجيف القلوب، وخشوع الأبصار، والاستغراق في الحفرة التي يردّ الناس إليها، ثم يخرجون منها. ويثير هؤلاء المنكرون للقيامة السؤال، ويأتيهم التأكيد بأن المسألة لا تحتاج إلا إلى زجرةٍ واحدةٍ، ليواجهوا الموقف العظيم.. ومن ثمّ تدخل في دائرة تاريخ موسى(ع) وفرعون، لتختصر حركة الدعوة، وحركة الرفض، وحركة التحدي، وحركة الأخذ الإلهي ، ليطل هذا التاريخ على الأجواء التي تختصر حركة البشر بين المؤمنين والكافرين في ما يواجهونه يوم القيامة من النعيم في الجنة، ومن الجحيم في النار.
ويدخل في مقارنة بين حجم الإنسان وحجم الكون في سماء الله التي بناها وجعلها في حركتها تنتج الليل والنهار، وفي أرضه التي دحاها وفجّر منها الينابيع ومنحها حياة النموّ الذي يملأها بالخضرة، وفي جبالها التي تثبت مواقعها وتمنعها من الاهتزاز.
فهل يثبت الإنسان أمام هذه المقارنة؟ وكيف ينظر إلى حجمه ليستعلي على ربّه الذي تخشع له السماء والأرض؟ ولكن، إلى أين أيّها الإنسان؟ فمهما امتدت بك الحياة، فسوف تأتي الطامّة الكبرى التي لا تملك لنفسك فيها الخلاص الذاتي إلا من خلال عملك، فإذا كنت ممن يخاف «مقام ربه»، ويسير في خطّ هداه، وينهى نفسه «عن الهوى»، فستكون الجنة مأواك، وأمّا إذا كنت من الطغاة الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، فإنّ الجحيم هي مستقرك.
وتلك هي الحقيقة التي لا بدّ أن يؤمنوا بها. وليست المشكلة مشكلة توقيتها لتدخل في جدلٍ عقيم حولها من هذه الجهة، بل القضية التي تتحمل مسؤوليتها هي أن تنذر الناس من عذاب يوم القيامة، الذي مهما تأخر، فإنه ينتهي إلى الله سبحانه وتعالى.
وفي ضوء ذلك، فإنها من السور التي تثير اليوم الآخر في جولةٍ كونيةٍ وإنسانيةٍ وتاريخيةٍ، ليعيش الإنسان الإيمان به من خلال كل هذه الحركة المتنوعة التي تريد إثارة المسؤولية في الوعي الإنساني، ليلتقي بها في مواقع الفكر المسؤول الذي يخرج عن أوضاع اللاّمبالاة التي تمنعه عن الانفتاح الجدّي على الواقع الغيبي، الذي ينتظر الناس من أجل أن يحاسبهم على الواقع الحسي الذي عاشوه في الدنيا.
ــــــــــــــــ
الآيــات
{وَالنّازِعَاتِ غَرْقاً* وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً* وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً* فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً* فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً* يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ* تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ* قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ* أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ* يَقُولُونَ أئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ* أَئذا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً* قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ* فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ} (1ـ14).
* * *
معاني المفردات
{وَالنّازِعَاتِ}: النـزع: إخراج الشيء من الشيء.
{غَرْقاً}: الغرق: اسم أقيم مقام المصدر وهو الإغراق.
{وَالنَّاشِطَاتِ}: النشط: هو الجذب والخروج والإخراج برفقٍ وسهولة.
{وَالسَّابِحَاتِ}: السبح: هو الإسراع في الحركة.
{فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً}: السبق: هو تقدّم الشيء أو الشخص على غيره في مواقع حركته.
{فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}: التدبير: رعاية الأمور والإشراف عليها والتخطيط لها.
{الرَّاجِفَةُ}: الصيحة العظيمة.
{الرَّادِفَةُ}: التابعة المتأخرة.
{وَاجِفَةٌ}: شديدة الاضطراب.
{خَاشِعَةٌ}: ذليلة.
{الْحَافِرَةِ}: الحافرة: أول الشيء ومبتدأه. يقال: رجع في حافرته، أي: في طريقه التي جاء منها.
{نَّخِرَةً}: بالية، مفتتة.
{بِالسَّاهِرَةِ}: وجه الأرض.
* * *
إنما هي زجرة واحدة
ثمة سؤال يبرز هنا وهو: ما هي مواقع هذه المعاني في حركة الواقع؟ ومن هي، أو ما هي المخلوقات التي تنزع وتنشط وتسبح وتسبق وتدبّر؟ وهل المقصود بكل هذه الكلمات معنى واحدٌ، أم أن بعضها يختلف عن البعض في مصداقه؟ قيل في ذلك: إنها الملائكة نازعات للأرواح نزعاً شديداً، ناشطاتٍ منطلقاتٍ في حركاتها سابحاتٍ في العوالم العليا، سابقاتٍ للإيمان أو للطاعة لأمر ربها، مدبّراتٍ ما يوكل من الأمور إليها.
وقيل: إنها النجوم تنزع في مداراتها، وتتحرك وتنشط متنقلةً من منزلٍ إلى منزلٍ، وتسبح سبحاً في فضاء الله، وهي معلقةٌ به، وتسبق سبقاً في جريانها ودورانها، وتدبر من النتائج والظواهر ما وكله الله إليها مما يؤثّر في حياة الأرض ومن عليها.
وقيل: النازعات، والناشطات، والسابحات، والسابقات، هي النجوم، والمدبِّرات هي الملائكة.
* * *
رأي صاحب الميزان
ويختار صاحب الميزان الرأي الأول، وذلك لعدّة أمور:
منها: أنَّ "الآيات شديدة الشبه سياقاً بآيات مفتتح سورة الصافات: {وَالصَّافَّاتِ صفَّا* فَالزَاجِرَاتِ زَجْراً* فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً} [الصافات:1ـ 3] وآيات مفتتح سورة المرسلات {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً* فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً*والناشِرَاتِ نَشْراً* فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً* فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً}[المرسلات:1 ـ 5] وهي تصف الملائكة في امتثالهم لأمر الله، غير أنها تصف ملائكة الوحي، والآيات في مفتتح هذه السورة تصف مطلق الملائكة في تدبيرهم أمر العالم بإذن الله.
ثم إن أظهر الصفات المذكورة في هذه الآيات الخمس في الانطباق على الملائكة قوله: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}... وإذ كان قوله: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} مفتتحاً بفاء التفريع الدالة على تفرّع صفة التدبير على صفة السبق، وكذا قوله: {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً} مقروناً بفاء التفريع الدالة على تفرّع السبق على السبح، دلّ ذلك على مجانسة المعاني المرادة بالآيات الثلاث {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً* فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً* فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} فمدلولها أنهم يدبرون الأمر بعد ما سبقوا إليه، ويسبقون إليه بعد ما سبحوا، أي أسرعوا إليه عند النزول...
وإذا كان المراد بالآيات الثلاث الإشارة إلى إسراع الملائكة في النزول على ما اَمروا به من أمر وسبقهم إليه وتدبيره، تعيَّن حمل قوله: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً*وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} على انتزاعهم وخروجهم من موقف الخطاب إلى ما أمروا به، فنزعهم غرقاً شروعهم في النزول نحو المطلوب بشدّةٍ وجدٍّ، ونشطهم خروجهم من موقفهم نحوه...
فالآيات الخمس إقسامٌ بما يتلبس به الملائكة من الصفات عندما يؤمرون بتدبير أمر من أمور هذا العالم المشهود، من حين يأخذون في النزول إليه إلى تمام التدبير»[1].
ولنا ملاحظة على الوجه الأوّل، وهو أن هناك خلافاً في المراد بالصافات والمرسلات في ما هو المراد منها، وليس هناك اتفاق على إرادة الملائكة منها. وعلى الوجه الثاني: أن الفاء هنا لا ظهور لها في التفريع، فيمكن أن تكون لمجرد العطف على نحو الترتيب الذكري، من دون ارتباط لأحدها بالآخر. وقد لا نجد ضرورةً في تنوّع المعنى المراد من هذه الفقرات، لأن المسألة هي مسألة القسم بهذه الأمور المهمّة، كما يمكن أن يكون المراد منها كل ما صدق عليه المعنى من المخلوقات التي يتناسب مضمونها مع العناوين المأخوذة فيها، لأن كل موجود في الكون له سرّه الذي يمثل الأهمية المميزة التي تجعل له قيمةً كونيةً تجعله في مستوى القسم به، والله العالم.
وربما كانت هذه الكلمات واردةً في الأجواء التي تسبق القيامة أو تتحرك في داخلها، بعيداً عن أسلوب القسم، باعتبار أنّ ذلك يوحي بالجو الحركيّ الذي يهز المشاعر التي تتصور المسألة هناك في حركة العنف المتمثل بالنزع والنشط والسبح والسبق والتدبير، للإيحاء بالجدّية المسؤولة التي لا يملك أحد أمامها أن يواجه القضية باللاّمبالاة العبثية والاسترخاء الغافل، ليكون ارتباط هذه الفقرات بما بعدها ارتباطاً طبيعياً باعتباره من أجواء هذا اليوم.
* * *
اضطراب القلوب
{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} وهي الصيحة العظيمة، التي فيها تردد واضطراب ـ كما قيل ـ {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} وهي المتأخرة التابعة، ولعلها النفخة التي تبعث الناس من الأجداث، ثم تجمعهم إلى الموقف الحاسم بين يدي الله.
وقد ذكر صاحب الميزان أن كلمة {يَوْمَ تَرْجُفُ} الخ ظرف «لجواب القسم المحذوف للدلالة على فخامته وبلوغه الغاية في الشدة وهو: لتبعثن»[2]. وفي هذا الوجه خفاء. وقد ذكرنا قريباً أن هناك احتمالاً في تفسير هذه الفقرات بحيث لا تكون واردةً في سياق القسم، والله العالم.
{قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} أي مضطربة. وربما كان المراد من القلوب أصحابها، وقد عبر عنها بالقلوب باعتبار أن القلب هو مركز الاضطراب الذي يحل بالنفس، فتضطرب خفقاته {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} في ما يواجه هؤلاء الناس من الموقف الهائل الذي يثير الرعب في الكيان كله من خلال ما يمكن أن يواجه من أهوال القيامة في عذاب النار، الذي كانوا يستبعدونه ويسخرون من النبي الذي يدعوهم إلى الإيمان به، وينذرهم يومه.
{يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} فهل يمكن أن نعود إلى حالتنا الأولى وهي الحياة؟ {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} أي متفتتة بالية، نخرة يصفر فيها الهواء، فكيف يمكن أن تدب فيها الحياة من جديد ويكسوها اللحم؟ إنها فرضيةٌ لا تخضع للقبول الذهني، في ما نألفه من الأشياء التي عشنا تجربتها في الحياة، ولكن، إذا كان هذا الأمر صحيحاً، فكيف نواجه الموقف، ونحن على ما نحن عليه من الكفر بالرسول وبالرسالة وباليوم الآخر؟ {تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} أي رجعةٌ يخسر فيها الإنسان مصيره. وقد يكون هذا الكلام وارداً على سبيل الاستهزاء، وربما كان لوناً من ألوان الحيرة الذاتية التي قد يخضع لها الإنسان عندما يفرض الاحتمال نفسه على الفكر والشعور. وينطلق المنطق القرآني ليرد عليهم، فما هي قيمة كل هذا الاستبعاد أمام قدرة الله الذي لا يحتاج إلى أيّ جهد في إعادتهم إلى الحياة؟!
{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} تدفعهم وهم أمواتٌ إلى الحياة الجديدة، {فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ} مجتمعون على الساهرة، وهي الأرض المستوية أو الخالية من النبات، يتطلعون إلى الأفق الرحب أمامها، بعد أن كانوا في رقادهم الطويل الميت البالي في بطن الأرض. وربما كان هذا قريباً من قول الله سبحانه: {وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ}[النحل:77].
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط:1، 1411هـ ـ 1991م، ج:20، ص:198 ـ 199.
(2) (م.س)، ج:20، ص:202.
تفسير القرآن