من الآية 15 الى الآية 26
الآيــات
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى* إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى* اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى* وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى* فَأَرَاهُ الآية الْكُبْرَى* فَكَذَّبَ وَعَصَى* ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى* فَحَشَرَ فَنَادَى* فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الاَْعْلَى* فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخرةِ وَالأوْلَى* إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى} (15ـ26).
* * *
معاني المفردات
{الْمُقَدَّسِ}: المطهّر.
{طُوًى}: اسم وادٍ.
{طَغَى}: علا وتكبّر.
{نَكَالَ}: عذاب.
* * *
هل أتاك حديث موسى(ع)
وإذا كان هؤلاء الكافرون، المكذِّبون بيوم القيامة، المستهزئون بالرسول وبالرسالة، يقفون مثل هذا الموقف العدواني ضدّك، فقد تحتاج إلى أن تذكرهم بحديث موسى(ع) وفرعون، ليكون ذلك عبرةً لهم، في ما يمكن أن نثيره في نفوسهم من الخشية في قضية المصير، لأنهم يقفون في موقف فرعون، بينما تقف ـ أنت ـ في موقف موسى(ع).
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} في قصته الموحية المتحركة في أكثر من قضيةٍ؟! ولكن المسألة، هنا، هي اختصار الأحداث في الحدود الفاصلة التي تمثل مفاصل الواقع الرسالي في مواجهة التحديات.
{إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} وهذا هو اسم الوادي المقدس الذي كان موسى(ع) يقف فيه في بداية الرسالة، وكانت المهمة الحاسمة الصعبة في انتظاره.
* * *
فرعون الطاغي
{اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} فقد عاش الطغيان الذاتي في استكباره المعقّد الذي جعله يوحي إلى نفسه بأنه في موقع الإله الذي يريد من الناس أن يتعبدوا له ويطيعوه في كل شيء، كما عاش الطغيان في العلوّ الذي يتطلع من خلاله إلى الناس من فوق ليستضعفهم ويسخّرهم لمصالحه ولأشغاله وأطماعه، من دون أن يحترم إنسانيتهم، حتى بلغ به الأمر أنه أمر بذبح أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم.. وإذ بلغ به الطغيان مثل هذا المستوى، فإن الله لا يرضى إلا بتغيير الواقع الاجتماعي إلى وضعٍ أفضل، ما يفرض التحرك نحوه بأية حركةٍ، كإرسال الرسول، أو إثارة الواقع من حوله، ليهتز الطاغية، فيسقط الطغيان، لأن الله لا يريد للناس المستضعفين أن يسقطوا تحت تأثير استكبار المستكبرين، ولا يسمح لهم بأن يعيشوا عقدة الضعف في ذاتهم، بل يريد لهم أن يتمرّدوا عليها من أجل أن يحصلوا على مواقع القوّة في ما يتوفر لديهم من الفرص الكثيرة في ذلك.
ولعلّ التعبير بالطغيان عن واقع فرعون، كأساسٍ لحركة الرسالة في خطاب الله لموسى، يوحي بأن المسألة ليست مجرد الفرد الذي ينحرف في فكره وعمله، ولكنها مسألة التأثير السلبي على حياة الناس في ما يمثله الطغيان من معنى يتعلق بالناس لجهة ما يثيره من مشاكل في حياتهم.
{فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى} وتتطهر من قذاراتك الفكرية والروحية والعملية التي علقت بكيانك كلّه، فأصبح فكرك يحمل قذارة الكفر، وتلوّثت روحك بقذارة التكبر والتجبر، وأحاطت بعملك أقذار الظلم والطغيان.
وهكذا كانت رسالته إليه تتحرك بأسلوب الإثارة الإيحائية التي تأخذ معنى الصدمة القاسية بأسلوبٍ هادىء، فلم يكن فرعون لينتظر أن يخاطبه شخص مثل موسى(ع) ليحدثه عن الوحل الذي يغرق فيه، وعن الطهارة التي يدعوه إليها، ولكنها ـ في الوقت نفسه ـ قد تثير بأسلوبها الهادىء بعض الحيرة في نفسه، وبعض الشك في فكره، ليراجع أوضاعه من خلال الكلمة ـ الصدمة ـ لأنها جاءت في معرض الطلب الهادىء الخالي من عنصر الإثارة الذي يفتح القضية كما لو كانت شيئاً يتسلم زمام المبادرة فيه ليقوم به بإرادته، الأمر الذي يبتعد عن أسلوب الفرض، فلا يتنافى مع طبيعة الكبرياء في ذاته.
{وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} وهذا هو الطرح الثاني بعد الأوّل، فإذا كانت الدعوة إلى الزكاة الروحية هي القضية التي تثير فيه الرغبة في التطهر، بالمعنى التغييري الذي يتحول فيه عن واقعه المنحرف، فإن من الضروري أن يفتح النبيّ له درب الهدى الذي يصله بالله ليتعرف عظمته في ذاته، فتصغر نفسه عنده، وتتعاظم خشية الله لديه، ليتكامل له الخط المستقيم في طبيعته السلبية المتمثلة بالابتعاد عن خط الانحراف، وفي طبيعته الإيجابية المتمثلة بالالتزام بخط الاستقامة.
تلك هي مشكلة الكثيرين من الناس، لا سيّما الجبابرة منهم، فهم لم يتعرفوا على الله ليهتدوا إليه، بل استغرقوا في ذواتهم، وفي ما يحيط بهم من أوضاع، فغفلوا عن كل شيءٍ يتصل بالآفاق الرحبة التي تنفتح على مواقع عظمة الله في الكون، فكانت المسألة هي أن يخرجوا من حالة الاستغراق الذاتية المختنقة، ليتسع أفقهم، وليتحرك فكرهم، وليبدأوا الرحلة إلى عالمٍ جديدٍ. وهذا ما أراد الله لموسى(ع) أن يواجه به فرعون من أجل أن يصل إلى استشعار خشية الله، ولكنّ فرعون لم يتقبل هذه الدعوة المنفتحة على الحق، فثارت به كبرياؤه، فاستصغر شأن موسى(ع)، لا سيّما أنه كان ينتمي إلى الطبقة المنبوذة المستضعفة من قبل فرعون. ولم يستسلم موسى(ع) إلى هذه النظرة الفوقية الفرعونية، فأراد أن يصدم طبيعة هذا الموقف المتكبر، فقدم إليه العصا واليد البيضاء.
* * *
موسى(ع) يتحدى فرعون بآيات الله
{فَأَرَاهُ الآية الْكُبْرَى} التي تدل على صدقه في رسالته، في تعبيرها عن ارتباطه بالله.
{فَكَذَّبَ وَعَصَى} وتحدّث عن السحر في ردّه على موسى(ع)، فاعتبره ساحراً يريد أن يقلب الموقف لمصلحته بسحره، ليصل إلى السلطة تحت شعار النبوّة التي تمنحه قوّةً روحيةً كبيرةً في تأثيرها على الجماهير المستضعفة المتطلعة إلى المخلّص من خلال عالم الغيب، في توسلاتهم الخفية الغيبيّة.
{ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى} فتولّى عن الاستمرار في الحديث مع موسى(ع)، لأنه لا يريد أن يدخل في حوار فكريّ لا يضمن لنفسه الانتصار فيه. وبدأ يخطط ويسعى للإيقاع بموسى(ع) ولإظهار ضعفه، بعد أن خيّل إليه أنه يستعمل السحر للوصول إلى هدفه، لأنّ مثل هؤلاء الجبابرة لا يتعاملون مع الناس إلا بمنطق القوّة، لأنهم لا يؤمنون بمنطق الفكر، وبأسلوب الحوار، في ما يريدون أن يتوصلوا إليه من نتائج لمصلحة امتداد جبروتهم وقوّة مركزهم.
{فَحَشَرَ} الناس إلى اجتماعٍ عامٍّ في يوم الزينة الذي يجتمع الناس فيه بشكل كثيف لأنه من أعيادهم، {فَنَادَى} في الجماهير المحتشدة التي تتطلع إليه من مواقع استضعافها في خضوع الذل الذي استغرقت فيه من خلال الزمن الطويل الذي عاشوه في تجربة الاضطهاد.
وأراد فرعون أن يؤكِّد ـ من جديد ـ سلطته، كمحاولةٍ للإيحاء الذاتي لنفسه بأنه ما يزال في مركز القوّة بعد أن كادت ثقته بنفسه تهتز أمام تحدّي موسى(ع) له، وقوّته السحرية التي أخذت بمجامع قلبه، وكتجربةٍ جديدةٍ للإيحاء للناس بذلك من خلال تثبيت الصفة التي يرتفع فيها على الناس بشكلٍ غير معقول، في ما استغله من ضعفهم وجهلهم وحاجتهم إليه.
{فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعْلَى}، فلا تتّبعوا الأرباب الآخرين مما يلتزمهم الناس من الآلهة، لأن ربوبيتهم لا ترقى إلى مستوى الربوبية الذي أنا فيه، ولا تستمعوا إلى كل الادّعاءات الأخرى التي تحاول النيل من مقامي العظيم. قال هذه الكلمة، وهو يحسب حساب النتائج التي يمكن أن تكون لمصلحة موسى(ع)، ليضع في داخلهم حاجزاً نفسياً ضد التأثر به والانجرار إليه، بحيث لا يتمكنون من ترك ربهم الأعلى، واتباع الساحر الذي يريد أن يصل إلى الموقع الأعلى بسحره. وقد كان الناس يفرّقون بين الساحر والإله، لأن الساحر ينطلق، في موقعه، من خلال اللعبة الفنية التي يتحرك فيها، ثم تنتهي الإثارة مع انتهاء المشهد. أمّا الإله، فهو الذي ينطلق من الأسرار الخفية في ذاته، ومن المعاني الغيبية في قدرته، لترتبط به قضايا الناس ومصالحهم ومعاشهم، إذاً، لا مجال للمقارنة.
ولكنّ فرعون لم يصل إلى هدفه، فقد آمن السحرة بموسى(ع)، وفشلت كل خططه في تدمير القوّة الروحيَّة التي يتحرك بها موسى(ع) في ساحة الدعوة إلى الله، وانقلب الأمر إلى عكس الخطة، فقد ربح موسى(ع) معركة ردّ التحدي في المشهد المثير بسجود السحرة لله عز وجل، مما ترك تأثيره على الجماهير هناك، وأتاح له الفرصة لأن يعرفه الناس في الاجتماع العام، بعد أن كانت الفرص معدومةً أمامه.
وهكذا امتدّ الصراع، وأخذ موسى(ع) موقع القوّة، وخرج بقومه لينأى بهم عن سيطرة فرعون، وليؤكد قوّة الرسالة في مواقع جديدة، وعلى أساس القاعدة الإيمانية التي توجّه المستضعفين إلى البحث عن أرضٍ أخرى يهاجرون إليها ليصنعوا فيها القوّة، إذا لم يستطيعوا الأخذ بأسباب القوة في أرضهم التي يعيشون عليها، ليرجعوا إليها بعد ذلك في قوّةٍ جديدةٍ للصراع وللتغيير. ولكن فرعون ظل مصرّاً على ملاحقة موسى(ع) وقومه، للتضييق على هذه الحركة الخطرة على سلطانه، ولقتل موسى(ع)، وتصفية أتباعه في نهاية المطاف.
{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخرةِ وَالأوْلَى} والظاهر أن المراد بالأخذ المعنى الكنائي المعبِّر عن الإهلاك والتعذيب في الدنيا والآخرة، وأما عذاب الأولى، فهو عذاب جهنم الذي يأتي بعد الموت.. وهذا ما يراد من كلمة «النكال» التي تعني العذاب الذي يردع من سمعه عن تعاطي مثله لفظاعته وشدّته.
* * *
وتبقى العبرة لمن يخشى
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى} أي أن في هذا الحديث الذي يختصر مسألة الصراع بين الطاغية والرسول، في ما يمثله من الصراع بين حركة الطغيان وحركة الرسالة، درساً عملياً، يوحي للناس بالنتائج السلبية التي تواجههم إذا أخذوا بخط الطغيان، في ما يمثله من التمرد على الله ورسوله ورسالاته، وتجاوز حدوده في ظلم الناس في أنفسهم وفي أموالهم، فلن يكونوا أقوى من فرعون الذي أخذه الله أخذ عزيز مقتدر. وإذا كانوا يجدون بعض القوّة في ما يعيشون فيه من مواقعها وأسبابها، فإن الأمور لا تقاس ببداياتها ولكن بنهاياتها، فإن الله يمهل ولا يهمل، فعليهم أن ينتظروا مكر الله، فلا يأمنوا مكره وعذابه، فإن لله وسائل كثيرة لا تُعدّ ولا تُحصى، في ما يهلك به الطغاة بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر. وهكذا ينبغي للإنسان أن يدرس التاريخ في سنن الله التي أودعها في الحياة، لأنها تمثل القانون الإلهي الذي قد تتنوع مواقعه ولكن طبيعته لا تختلف.
تفسير القرآن