سورة النازعات - الآيات - 27-33
الآيــات
{أأنْتُم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَناهَا* رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا* وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا* وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا* أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَها وَمَرْعَاهَا* وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا* مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ} (27ـ33).
* * *
معاني المفردات
{سَمْكَهَا}: سقفها.
{وَأَغْطَشَ}: أظلم.
{وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا}: أبرز نهارها.
{دَحَاهَا}: بسطها.
* * *
الآيات الكونية وقدرة الله تعالى
..وتلتفت السورة إلى المشركين الذين أراد الله من رسوله أن يحدِّثهم عن اليوم الذي ترجف فيه الراجفة، وعن حديث موسى الذي يتضمّن قوة الله في أخذه، ليستشعروا حجمهم الحقير أمام قوة الله. إنها تخاطبهم مباشرةً، ليتطلعوا إلى ما يعيشونه من الشعور بالقوّة أمام الكون الذي يحيط بهم في ما يجسِّده من قدرة الله في خلقه، ليدخلوا في مقارنةٍ حسية بين عناصر القدرة فيه، وعوامل الضعف فيهم، وحجم القوة التي يملكونها إزاء ذلك، لأن التحدّي في الأمور الحسية قد يفرض نفسه عليهم أكثر من التحدي في الأمور الغيبيّة.
{أَأنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ} فهل يمكن أن يكون الجواب بأنكم أشدّ خلقاً منها؟ إن الصورة لا تحتمل ذلك، لأن الإنسان مهما كبر حجمه، ومهما اشتدت قوّته، فإنه لا يمثل شيئاً أمام هذه السماء المترامية الأطراف التي {بَنَاهَا} الله بقوّته من غير عمد و{رَفَعَ سَمْكَهَا} أي سقفها، {فَسَوَّاهَا} في استقامتها وتناسق أجزائها، بوضع كل جزءٍ في موضعه، على أساس التخطيط الإلهي الدقيق الذي قد لا يعرف الناس من طبيعته وتفصيله الكثير، لأنهم لا يملكون إلا المشاهدة البعيدة، سواء كان ذلك بالعين المجردة، أو بالوسائل الأخرى المستحدثة. ولكن الأمر مهما كان خفيّاً، فإنه يوحي بالعظمة التي يخضع لها العقل، ويهتز أمامها الشعور، الذي يوحي بعظمة الخالق، الذي خلقها بهذا التناسق الدقيق، والتماسك الشديد.
* * *
ظاهرة الليل والنهار
{وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} أي: أظلمه، {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} أي: أبرز نهارها في الضوء الذي يظهر به كل شيء. وإذا كانت هذه الظاهرة الكونية واضحةً لدى الناس، فإن الآية أرادت أن تخرج الناس من جمود الإلفة التي تمنع الفكر من الانفتاح على سرِّ الإبداع فيها في ما تمثله من قدرة الله، ليفكروا بها كما لو كانت شيئاً جديداً في وعيهم الإيماني، الذي ينطلق القرآن ليبدع فيه الإحساس المتحرك المتنوع بعظمة الله في كل ظاهرةٍ من ظواهر الكون في طبيعته وحركته.
* * *
الله تعالى يمهِّد الأرض لحياة الإنسان
{وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} ومهّدها وبسط قشرتها بحيث تصبح صالحة لحركة الإنسان فيها دون تعقيد، وكوّن فيها التربة الخصبة التي تنبت الزرع وتخرج الثمر الشهيّ، وفجّر فيها الينابيع، {أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءهَا وَمَرْعَاهَا} وجعلها بذلك صالحةً للحياة، من خلال طبيعة التوازن بين الحرارة والبرودة، بالإضافة إلى استقرار سطحها الذي تتدخل مواقع الجبال فيه، {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} أي: أثبتها في الأرض لئلا تهتز وتسقط، وجعل فيها الكثير من المياه والمعادن،{مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأِنْعَامِكُمْ} حيث سخّر ذلك لكم ولأنعامكم في ما يتمثل فيها من شروط الحياة الضرورية..
ومن خلال ذلك كانت العظمة التي توحي بها دقة التدبير، وكانت النعمة التي توحي برحمة الله ولطفه وعنايته، في ما أنعم به على الإنسان من ذلك كله. ولا ريب أن توجيه النظر الى هذه الأمور يغري بالبحث والاستقراء بالمستوى الذي يمكن أن يصل الإنسان، من خلاله، إلى الكثير من المعرفة الواسعة بالله سبحانه وتعالى. وقد ذكر بعض المتتبعين أن «المجموعة الشمسية التي تنتمي إليها أرضنا هي تنظيمٌ نادر بين مئات الملايين من المجموعات النجمية، وأن الأرض نمطٌ فريدٌ غير متكررٍ بين الكواكب بموقعها هذا في المنظومة الشمسية الذي يجعلها صالحةً للحياة الإنسانية. ولا يعرف البشر ـ حتى اليوم ـ كوكباً آخر تجتمع له هذه الموافقات الضرورية. وهي تُعَدّ بالآلاف!»[1].
ويقول العقّاد: «ذلك أنّ أسباب الحياة تتوافر في الكواكب على حجمٍ ملائم، وبُعدٍ معتدلٍ، وتركيبٍ تتلاقى فيه عناصر المادة على النسبة التي تنشط فيها حركة الحياة.
لا بد من الحجم الملائم، لأن بقاء الجو الهوائي حول الكوكب يتوقف على ما فيه من قوة الجاذبية.
ولا بد من البعد المعتدل، لأن الجرم القريب من الشمس حار لا تتماسك فيه الأجسام، والجرم البعيد من الشمس باردٌ لا تتحلّل فيه تلك الأجسام.
ولا بد من التركيب الذي تتوافق فيه العناصر على النسبة التي تنشط بها حركة الحياة، لأن هذه النسبة لازمة لنشأة النبات ونشأة الحياة التي تعتمد عليه في تمثيل الغذاء.
وموقع الأرض حيث هي أصلح المواقع لتوفير هذه الشروط التي لا غنى عنها للحياة، في الصورة التي نعرفها، ولا نعرف لها صورة غيرها حتى الآن»َ[2].
ــــــــــــــــــ
(1) قطب سيد، في ظلال القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، ط:5، 1386هـ ـ 1967م، م:8، ج:30، ص:448.
(2) العقاد، عباس محمود، المجموعة الكاملة، م:11، العقائد والمذاهب، دار الكتاب اللبناني، بيروت ـ لبنان، ط:1، 1978م، عقائد المفكرين، ص:423.
تفسير القرآن