من الآية 34 الى الآية 41
الآيــات
{فَإِذَا جَآءت الطَّآمَّةُ الْكُبْرَى* يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى* وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى* فَأَمَّا مَن طَغَى* وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (34ـ41).
* * *
معاني المفردات
{الطَّآمَّةُ}: العالية الغالبة، وتسمى الداهية التي لا يستطاع دفعها طامّة. والمقصود بها هنا: القيامة.
{وَبُرِّزَتِ}: أظهرت.
* * *
يوم الطامة الكبرى
وهكذا يعيش الإنسان في هذه الدنيا في متاعها الذي يتقلب فيه الإنسان في غذائها وكسائها وشهواتها، وتتنوع فيها مطامحه وأطماعه، وتستغرق في لذاتها حواسه، ويعيش في استرخاء الغفلة وراحة الغيبوبة، وفجأةً ينتهي كل شيءٍ، وينفتح الجو على عالم جديدٍ.
{فَإِذَا جَاءت الطَّآمَّةُ الْكُبْرَى} العالية الغالبة التي تغطي على كل شيء تحتها، فلا تحس به، لأنها تخفي كل تلك الحياة المليئة بظواهرها الكونية ولذاتها الحسية وأوضاعها المادية، وتلك هي القيامة التي يقف فيها الإنسان ليواجه مشاعر وقضايا جديدة، ليبدأ التذكر لكل تاريخه العملي، في ما فكر فيه، في من آمن به أو كفر، أو ما عمله، مما أحسن فيه أو أساء، أو ما عاشه من علاقات، مما كان يحمل الخير أو الشرّ، والمصلحة أو المفسدة في ذلك اليوم الرهيب.
{يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى} لأن النتائج السلبية أو الإيجابية في الآخرة خاضعة للسعي الخيّر أو الشرّير في الدنيا، فهو يعصر فكره ليستحضر كل تاريخه ليعرف مصيره في تلك اللحظة الحاسمة.
{وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى} في عملية إظهارٍ إيحائيٍّ لكل الذي يملك عينين ليتعرف النتائج الصعبة للعاملين في الخط المنحرف عن خط الله... ثم تتنوّع المصائر تبعاً لتنوّع المواقف العملية في الدنيا.
* * *
جهنم مأوى الطغاة
{فَأَمَّا مَن طَغَى} وتجاوز الحدود المرسومة من الله في العقيدة وفي الحركة، فلم يتوازن في فكره، ولم يستقم في حركته، ولم يتحمل المسؤولية في انتمائه، ما جعله في موقف المتمرد على الله المعادي لرسوله ولرسالته، {وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} وفضّلها على الآخرة، فاستغرق في ملذات الدنيا وشهواتها من دون أن يفرّق بين حلالٍ وحرام، بل ربما فضّل الحرام على الحلال، لأنه أقرب إلى مزاجه، لأن القضية لديه هي مشاعر اللحظة الحاضرة بعيداً عن المصير المستقبلي الذي يواجهه في الدار الآخرة، باعتبار أنه من الذين يفكرون ببدايات الأمور ولا يفكرون في نهاياتها، فتغريهم حلاوة البداية عن مرارة النهاية، فيستسلمون للغفلة المطبقة على عقولهم حتى تغيب الآخرة عن وجدانهم.
أما هؤلاء، {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} الذي يأوون إليه ليكون مسكنهم الدائم، لأن طبيعة الطغيان وإيثار الحياة الدنيا على الآخرة يدفع الإنسان إلى الكفر والضلال والعصيان والغفلة عن أسباب النجاة في الآخرة.
* * *
الخائفين مقام ربهم
{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} وعرف عظمته في ربوبيته المطلقة المهيمنة على الكون وما فيه، ما يجعل الإنسان يستشعر موقع العبودية في ذاته في موقعه من ربه، من خلال استشعاره للألوهية في مقام الله التي تستتبع الإيمان والطاعة في كل شيء، الأمر الذي يجعل الحياة بالنسبة إليه تمثل فرصة المسؤولية الخاشعة في ما يأمر به الله أو ينهى عنه، لتكون إرادته مرتبطةً بإرادة الله، فإذا أرادت منه نفسه أن يتمرد على الله انطلاقاً من رغباتها الذاتية، وأهوائها الغريزية، فإنه يبادر إلى أن ينهى نفسه عن السير في هذا الاتجاه، ليجعل هواه تبعاً للإيمان، لأن المسلم الحق، الذي أسلم كل حياته لله، هو الذي يحاول أن يصوغ نفسه صياغةً إيمانيّةً على خط التقوى، ليكون العبد المطيع لله، وهذا كله نتيجة الخوف من مقام ربه. {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} والمراد بالهوى هنا، ليس كل ما تشتهيه النفس، لأنها قد تشتهي الأشياء التي تنسجم مع ما يحبه الله، بل المراد منه الهوى الذي لا يخضع للقاعدة الأخلاقية الشرعية في الإسلام. ولعل إطلاق الكلمة ناشىءٌ من أن العمل الذي يوحي به الالتزام لا يعبّر عنه بالهوى، لأنه لا ينطلق من إرادة الإنسان باعتباره شهوةً ومزاجاً نفسياً، بل من خلال إرادة الالتزام في إيمانه التي تمثل حرية الاختيار في شخصيته. وقد جاء في أصول الكافي بإسناده إلى داود الرقي عن أبي عبد الله جعفر الصادق(ع)، قال: «من علم أن الله يراه، ويسمع ما يقول، ويعلم ما يعمله من خيرٍ أو شرٍّ، فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال، فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى»[1].
فأما هؤلاء {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} والسكن الدائم، لأن طبيعة خوف مقام الله، ونهي النفس عن الهوى، تفرض الالتزام بالخط المستقيم الذي يربط الإنسان بالله، فيكون قريباً إلى رحمته، في مواقع رضاه.
ـــــــــــــــ
(1) الكليني، أبو جعفر، محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران، ج:2، ص:70، رواية:10.
تفسير القرآن